Thursday, March 10, 2016

انتصار - قصة قصيرة

انتصار

ظلام...
ظلام دامس يجثم على روحه, يخنقه, يقبع فيه عاجزاً ضعيفاً غير قادر على فعل أي شيء. لم يعد يذكر آخر مرة رأى فيها الضوء, لم يعد يتذكر وجوه أحبته, لم يرَ وجه أي شخص منذ أمدٍ بعيد و ذاكرته لم تعد تسعفه, كل الوجوه اختلطت عليه في ظلمته, أمه, أبيه, اخته, أخيه, صديق الطفولة المقرب, شركاؤه في عمله, يكاد يجن, يحاول أن يستدعي صورة أي وجه يؤنسه في وحشة ظلمته لكنه لا يستطيع, يبكي و لكن دموعه جفت منذ فترة, ربما لو تذكر وجه واحد فقط ستكون الأمور أفضل أو هكذا يظن.
أسئلة كثيرة تلح عليه هذه الأيام, هل لازالوا يذكرونه؟ كيف حالهم الآن بعد طول الغياب؟ هل يفتقدونه؟ هل نسوه؟ لا, لا يمكن أن يكونوا قد نسوه, كم مر عليه هاهنا؟ لو أنه فقط يعرف, لم تعد للأيام أي قيمة هاهنا, هو هنا منذ فترة طويلة هذا ما يعلمه على الأقل و ما لا يجب أن ينساه. متى آخر مرة توضأ و صلى لله, لا يذكر, لا يعرف أصلا الليل من النهار فكيف بمواقيت الصلاة, يحاول ان يخمن, يحاول أن يصلي بما أتيح له من الجوارح و لكنه لا يشعر أنه يصلي, لو أنهم يسمحون له بالصلاة أو أي شيء آخر يشعره انه لازال انسانا, يريد أن ينام فترة متصلة كأي انسان طبيعي و لكن حتى هذا ضنوا به عليه, حتى النوم لا يتيحونه له, ماذا تبقى له كانسان؟
فجأة جاء الصوت, الصوت المعدني الذي يجعل قلبه يرتجف, صوت فتح الباب بالمفتاح, "ليس مجدداً" هكذا صرخ في داخل نفسه و لكنه لم يصدر أي صوت ينبه القادم بفزعه, يرهف السمع بشدة, خطوات الأقدام تقترب منه, يفك قيده بقسوة و هو يتمتم "هيا يا ابن الكلاب, ميعاد كل يوم", يجذبه بعنف, لا يعينه على النهوض بل يجرجره على الأرض بقوة مذهلة, يكاد يصرخ أن انتظر سآتي معك بدون كل ذلك العنف لكنه يختار الصمت, يحاول أن يعين نفسه على النهوض لكن الرجل لا يسمح له و يستمر في جرجرته على الأرض. يتوقفون قليلاً يسمع صوت طرق الباب و صوت حارسه يتمتم باحترام, "المسجون يا أفندم", رجفة عنيفة تنتابه و لكنه يقاومها, يسمع الصوت الذي كانت ترتجف له ضلوعه منذ ورد إلى هذا المكان, ذلك الصوت الذي لا يعرف شكل صاحبه و لكنه لا يتصور أن صاحبه سيختلف كثيرا في الشكل عن الوحوش التي قرأ عنها في الأساطير, بل ربما لن يفرق كثيرا عن الشيطان الرجيم.
"دعه يا مغاوري, أمامنا يوم طويل" هكذا هتف الصوت الغليظ, كان يعرف جيداً ماذا يعني هذا اليوم الطويل, كان مرعوبا من مجرد التفكير في الأمر, كل هذه الفترة لم يتعود على الأمر, هم مبدعون حقا, قادرون على مفاجأته في كل مرة و إيصاله لمستويات جديدة من العذاب لم يكن يعرف بوجودها من الأساس. يحاول أن يتذكر كيف جاء إلى هنا, كان ذاهبا لشراء بعض إحتياجات متجره, سمع ذلك الصرير المزعج, و مجموعة الأشخاص الذين اندفعوا من داخل السيارة الكبيرة و جذبوه إليها و هم يضربونه بقسوة غير مبررة, صرخ كثيرا لكنَّ أحداً لم يلتفت إليه, كل الأشخاص في الشارع تجاهلوا المشهد و كأنهم لا يرونه, لازال يذكر نظراتهم الباردة و الخوف البادي في أعينهم, حاول أن يستنجد بهم و لكنَّ أحداً لم يحاول حتى أن ينقذه. الأيام التي تلت كانت قاسية, تلك العُصابة التي تعزله عن العالم و التي لا يستطيع نزعها و إلا قتلوه, يا الله لماذا لا يزال متشبثاً بالأمل و بالحياة, لماذا لا ينزع هذه العُصابة عن عينه بالقوة و ينظر إلى معذبينه بتشفٍ و انتصار, ما الذي يضيره بعد كل هذا التعذيب الشديد الذي يكاد يذهب بعقله من شدة الألم. عذبوه بكل الطرق الممكنة و الغير ممكنة, كهرباء في المناطق الحساسة, ضرب حتى يشعر بالدماء و التورم في كل جزء من جسده, ترهيب, حرمان من النوم, تعليقه في أوضاع صعبة تكاد تتمزق فيها أطرافه, صنوف و ألوان من العذاب لم تخطر على باله من قبل.
و لماذا كل هذا العذاب, حاول أن يستشف أسباب وجوده من خلال الأسئلة التي تطرح عليه و التي لم يكن يعرف لها أي إجابة. سألوه عن مصادر تمويل, عن أشخاص لا يعرفهم, عن تعليقات له على مواقع التواصل الإجتماعي, عن أصدقائه على تلك المواقع, عن اصدقائه في الحياة العادية, أسئلة كلها لا تبرر وجوده في هذا المكان كما أنه لم يكن يعرف لها إجابة حقيقية شافية لربما كانت تساعده في الخروج من ذلك الكابوس.
"اسمع يا رقم 1432" قالها معذبه في هدوء شديد, في داخله كان يتساءل في إنزعاج لماذا ينادونه بذلك الرقم لماذا لا ينادونه باسمه, يشعر أنه قد شارف على نسيانه, 1432 هل هذا يعني أن هناك 1431 شخصا قبله جاؤوا في نفس المكان و الظروف, كانت فكرة مخيفة حقا. " اسمعني جيدا يا 1432, أنا بت مقتنعا أنك بريء لا علاقة لك بأي شيء, كل هذا التعذيب لا يتحمله شخص مذنب, بل إن الأبرياء لربما اعترفوا تحت وطأة التعذيب, لذلك فأنا لن أعذبك اليوم لكي أحصل منك على معلومات, هذه مسألة عبثية تماماً و أنا لا أحب العبث و لكني سأعذبك لأني معجب بك, سأعذبك حتى تصرخ و ما أن تصرخ ربما أفكر أن أخرجك من هنا".
ربما لأول مرة منذ أن دخل هذا الجحيم يشعر برغبة في الابتسام, كان يعرف أن معذبه يكذب و لن يخرجه من هنا و لكنه يريد فقط كسره, يحاول أن يتذكر كيف بدا ذلك التحدي, عندما بدأ التعذيب لأول مرة كان يصرخ كالمجنون و كان يسمع معذبيه و هم يضحكون من صرخاته, لم يكن ذلك يشغله كثيرا إلى أن سمعهم يهينونه و يسخرون منه و من عائلته بسبب صراخه, كانوا يريدون أن يكسروه, هذا ما أدركه في هذه اللحظة الفارقة و هنا أخذ قراره, سيصمت, لن يعطيهم فرصة الاستمتاع بألمه, سيصمت و لن ينكسر أمامهم مهما بلغ الألم. كان فخور بنفسه فمنذ اتخذ هذا القرار لم يصرخ بل لم ينطق بكلمة مهما اشتد التعذيب, كانت هناك أيام يشعر أنه سيموت من كثرة التعذيب و لكنه صمد, كان يعرف من بعض ما يسمعه أن هذا يثير حنق معذبيه بشدة فكان هذا دافعا له لكي يستمر في صمته, الصمت هو سلاحه, لن يمنحهم فرصة كسره, على الأقل حتى هذا الوقت فهم قادرون دوما على مفاجأته بمستويات جديدة من التعذيب و ربما ستكون اللحظة القادمة هي التي ينكسر فيها أو ربما في لحظة بعدها و لكنه حتى تأتي هذ اللحظة سيصمد.
"صامت كالعادة, حسنا لقد جهزت لك برنامجا لن تستطيع ان تصمت بعده", كانت نبرات صوته تنم عن تشفٍ كبير, لم يكن يعرف ما ينتظره و لكنه كان يأمل ألا يكون هذا اليوم يوم انكساره, أن يمر يوم آخر في هذا العذاب دون أن ينكسر  صار ذلك أمله و دافعه الوحيد للحياة. " هل تعلم إني كنت أظن خلال الفترة الماضية أن تحملك للتعذيب بسبب أنك مدرب على ذلك, هذا دعاني للشك فيك أكثر و لكني الآن فهمتك جيداً, أنت مجرد شخص عنيد, أليس كذلك؟", استمر في صمته و لكن جزءا منه يشعر بالارتياح لأنه سبب كل ذلك الإزعاج و تلك الحيرة لمعذبيه. "حسنا لن يدوم صمتك طويلاً", قالها و بدأ يقترب منه رويداً رويداً ثم صفعه بكل قوة, "الصفع ربما ليس مؤلماً بشدة و لكنه مهين لأقصى درجة, هذا مجرد استفتاح, سابدأ معك بالتدريج حتى أصل لأقصى ما لدي, تذكر, كل عذابك ينتهي فور أن تصرخ, و أيضا ربما تخرج من هنا إذا فعلت ذلك, أقول ربما لأني قد يتراءى لي أمر آخر بعدها", ثم انهال عليه بوابل من الصفع و اللكم و الركل في كل جزء من جسده, لم يكن بجسده مكان يخلو من التورم من أثر التعذيب السابق فكان ذلك مثل إضافة الملح على الجرح و لكنه برغم هذا لم يكن كافيا لكسر إرادته هذه المرة.
"حسناً, لم أتوقع ان يكسرك هذا, عموما لازلنا بالبداية, الآن نلجأ لأحد أدواتي المفضلة, المطرقة, سأكسر كل إصبع من أصابع يديك و رجليك باستخدام هذه المطرقة حتى تصرخ, قلت لك, أنا لدي برنامج كامل لك", بدأ بإبهام يده اليمنى و اخذ يضربه بالمطرقة  حتى لم يعد يشعر به من شدة الألم ثم ظل ينتقل من إصبع لإصبع و الألم يتزايد في كل مرة حتى إنه يشعر بأن أحشائه تكاد تنفجر من شدة الألم و لكنه استطاع المقاومة و لم ينكسر برغم الألم الرهيب. "لازلت صامتاً؟!, كما قلت لك أنا معجب بك بشدة و لكن لا أمل لديك اليوم, نحن لسنا في استجواب و لا أحاول إستخلاص معلومات منك, لذلك لن اتحفظ و سأجرب معك أشد صنوف التعذيب, حسناً لننتقل الآن للكي" و هكذا باستخدام عصا معدنية تم تسخينها لدرجة الإحمرار ظل يكوي في جسده حتى اشتعل الدخان منه, في تلك المرحلة فقد وعيه من شدة الألم, و لكنهم لم يرحموه فما أن فقد وعيه حتى قام معذبه و معاونوه بكل الإجراءات الممكنة كي يستيقظ, " هل ظننت أنك ستفلت من العذاب بهذه السهولة, قلت لك أنك سترى صنوفاً من العذاب لم تراها من قبل", جذبه هو و معاونوه ثم قيدوه عارياً إلى سرير معدني, كان كل جزء في جسده يصرخ من الألم و لكنه ظل صامتاً, "حسنا أنت جربت هذا من قبل, و لكن كما وعدتك فنحن سنصل إلى مستويات لم تراها من قبل و حتى إذا تحملت أقصى درجة منه سيكون لدي وسائل أخرى بجانب الكهرباء, ساسلخ جلدك حياً إن إضطررت إلى ذلك, لابد أنك تعلم الآن أن قلبي ليس به مكان للرحمة او الشفقة فهلا تخليت عن عنادك", لكنه لم يُجِبْه, فبدأ بالكهرباء, درجة بدرجة, و مع كل درجة كان ألمه يزداد حتى شعر أن مخه يكاد ينفجر و لكنه واصل الصمت, زاد معذبه من درجة الألم, "ألازلت مصراً على العناد, حسنا ستحب هذه الدرجة, لم نصل لهذا المستوى من قبل", بالفعل كان الألم لا يحتمل و بدا له أن يستسلم فلن يستطيع تحمل هذا العذاب.
و فجأة...
تنامى إلى ذهنه صوت كروان ينشد أنشودته, " الملك لك لك يا صاحب الملك", ثم ظهر الضوء, ضوء أبيض ناصع و لكنه لا يؤذي عينيه, ثم جاءت الفراشات و الطيور و بدا و كأن الكون ذاته يعزف انشودة خصصت له, ظلت الطيور تحلق حوله و هي تغرد بأعذب الأصوات و طارت الفراشات الملونة من بين يديه صانعة صورة مبهجة لم يكن يتصور أنها موجودة في هذه الدنيا, ثم سمع صوتاً يتردد في المكان,....
"ألا أيها المظلوم, هنيئا لك بنصرك على ظالمك".  
علاء نبيل حسن

11-3-2016

No comments:

Post a Comment