Monday, November 27, 2017

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة
سأستعير عنوان كتاب إبراهيم أصلان حول ثورة يناير "إنطباعات صغيرة حول حادث كبير" لهذا المقال الذي أعنونه "ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة" للحديث عن بعض ما لفت إنتباهي حول فاجعة مسجد الروضة التي تعد أكبر حادثة إرهابية في تاريخنا. بكل تأكيد نحن أمام تحول نوعي في العمليات الإرهابية من حيث حجم و طبيعة الأهداف، المتفائلون يحللون ذلك بأن الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة و المتشائمون يقولون إن الإرهاب يستفحل و الوضع سيزداد سوءا عن ذي قبل، كعادتي اتصور أن الحقيقة خليط من الإثنين، الوضع سيزداد سوءا لكنه قد يكون مفتاح هزيمة الإرهاب أو هكذا أظن. قد تتساءل، كيف يكون التصعيد الإرهابي وسيلة لهزيمته؟ الحقيقة إن لجوء الإرهابيين للتصعيد له تفسيران، إما إنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم و يحتاجون للتصعيد كنوع من إثبات الوجود أو العكس تماما نجحوا و يضيفون إلى مكاسبهم، شخصياً أميل للإحتمال الأول وفقا لما أفهمه من مجريات الأحداث، و هذا يعني أن الوضع مرشح ليزداد سوءا كنوع من إثبات الوجود لكن هذا التصعيد بالضبط هو مفتاح هزيمتهم في رأيي، فكل تركيز الإرهاب الحديث هو الحصول على حاضنة شعبية أو متعاطفين معه و أحداث من هذا القبيل تفقدهم التعاطف تماما لأنها تبرز عوار فكرهم لمن لا يدرك ذلك و تزيد كراهيتهم في القلوب، بالطبع هذا ظني فقط و الله وحده اعلم بما سيحدث و بما هو قادم عسى أن يكون خيراً.
النقطة الثانية التي لفتت إنتباهي هو رد الفعل الرسمي الذي كان سريعا في إعلان الحداد و إمداد الإعلام بالمعلومات و تحديثها لتجنب الشائعات، ناهيك عن ظهور الرئيس (بغض النظر عما قاله و الذي سأتطرق إليه لاحقاً) في وقت وجيز لمخاطبة الشعب حول الحادث، إذا ما قارنت رد الفعل بحادثة الواحات ستجد أن العكس تماما  كان هو الصحيح في حادثة الواحات بل إن النظام حتى لم يعلن الحداد وقتها و هذا أدى لمشاكل كثيرة أبسطها إنتشار الشائعات، أتمنى أن يكون رد الفعل الذي شاهدناه في هذه الفاجعة ناتج من التعلم من التجارب السابقة و أن يكون هذا هو شكل ردود الافعال في الحوادث المماثلة مستقبلا و ألا يكون استثناءاً، لا أملك ثقة كبيرة في النظام و لكن ما اتمناه دائما ألا يزيد الطين بلة خصوصا في حوادث مثل هذه تؤثر علينا جميعا، فالشفافية و السرعة و إتاحة المعلومات و الاهتمام بالضحايا كلها أمور مهمة عند التعامل مع كوارث مثل ما حدث و غياب كل هذا يؤدي لنشر الشائعات و انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، باختصار ما حدث في الواحات هو  مثال واضح على سوء إدارة الحدث و ما حدث في فاجعة الروضة مثال على حسن إدارة الحدث، و ما أتمناه ألا يكون حسن الإدارة في هذه الحادثة هو مجرد استثناء في سلسلة طويلة من ممارسات سوء الإدارة.
الملاحظات القادمة تدور حول ردود الأفعال حول الحدث، فرد فعل الناس عادة ما يكون مؤشر على أشياء كثيرة في المجتمع. من امثلة ذلك، كان هناك غضب شديد من بعض المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب استفزازها، الاستفزاز كان بسبب ما يبدو أن البعض لا يمانع في عمليات إرهابية ضد غير المسلمين أو المسلمين العصاة أو ضد الشرطة و الجيش مثلا و لكنه يرفضها بالنسبة للمسلمين المصلين فقط تكررت هذه المشاركات المستفزة في مواقع التواصل الاجتماعي بل إن بعض الشخصيات العامة و الإعلامية تورطت في كلام مشابه تماماً، هذا الغضب محمود لأنه ينتصر لحق الحياة للجميع و لكن هذا الغضب كان في كثير من الاحيان في غير موضعه، كيف؟ المشاركات التي أثارت الغضب بالفعل ساذجة و سطحية و مستفزة و لكنها لا تقصد المعنى الذي فُهم، الأمر أن البعض يظن أنه فهم الإرهابيين و فهم دوافعهم فيظن أن اهدافهم تختصر في القضاء على العصاة و الخارجين عن الدين و لا يدرك أن مفهوم العصاة و الخارجين عن الدين يمتد ليشمل كل من لا يشارك الإرهابيين أراؤهم و أفكارهم، لذلك كانت صدمتهم كبيرة عند قتل المصلين في صلاة الجمعة، كيف يستوي هذا و فهمهم عن دوافع الإرهابيين، مصلين يؤدون صلاتهم يتم إغتيالهم، لماذا ما المعصية التي ارتكبوها؟  لذلك تساءل بعضهم بتلك الطريقة المستفزة الناتجة في رأيي من صدمة ما حدث و لكن ليس معنى كلامهم أنهم يؤيدون قتل غير المسلمين بل العكس، هم فقط كانوا يفهمون شيئا و صدموا في أنه غير صحيح، الامر أشبه بحديث الجوكر لهارفي دنت في الفيلم الشهير، كيف أن الناس لا يلقون بالا لأفظع الجرائم طالما أنها متوقعة أو في الخطة (كأن يموت جندي في معركة) بينما يجن جنونهم و يصدمون عندما تكون الجرائم خارج التوقعات و الخطة المفروضة (كأن يموت طفل في نفس الحرب). بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك التساؤل و برر ما حدث بأنه مسجد صوفي رغم إنه على قدر علمي ليس به ضريح و بالتالي لا يمكن تصنيفه (في العادة المصريون لا يصنفون المساجد) و بهذا فقد قبلوا عن طيب خاطر تبريرات الإرهابيين و تصنيفهم للآخر فقط كي يستطيعوا ان يستوعبوا ما حدث، تلك التغريدات هي ردة فعل بشرية طبيعية تجاه ما حدث و تحتاج ردة فعل مختلفة عن الغضب من وجهة نظري. فبدلا من الغضب يمكن دوما التركيز على إبراز مبدأ حق الحياة للجميع و أنه لا أحد يستحق أن تستباح دماؤه و حقه في الحياة فقط لأن هناك من يعتبر الإختلاف جريمة تستحق القتل.
النقطة التي لفتت إنتباهي أيضا هي الحديث عن التقصير الأمني من عدمه، دعني أقول أنه في تلك الحادثة تحديدا حجم المعلومات الذي يمكننا منه تحديد عملية التقصير الأمني من عدمه قليلة، بداهة فإن أي حادثة إرهابية تنتج عن تقصير أو ثغرة أمنية، لكن ما يتحدث عن الناس هو التقصير الفادح بمعنى أنك كان بإمكانك منع ما حدث و لكنك بسبب الإهمال أو قلة التدريب او سوء الإدارة لم تستطع ذلك، في حادثة الواحات حتى برغم قلة المعلومات كان التقصير الأمني من هذا النوع حاضرا وواضحا، لكن هنا بالفعل هناك معلومات كثيرة ناقصة كي نتمكن من تحديد التقصير الأمني من عدمه في هذه الفاجعة، لا نعرف حتى طبيعة التعاون بين الجيش و القبائل، لكن هناك معلومة قد ترجح نظرية التقصير الأمني و الاستخباراتي و هي أن الإرهابيين في أكثر من موقف اعلنوا تربصهم بهذا المسجد تحديداً و كان أحد هذه المرات منذ فترة قريبة للغاية من الفاجعة. هذا يطرح أسئلة كثيرة، هل كان الجيش (بما إنه المسؤول عن سيناء) يعلم بهذه التهديدات؟ و إذا كان يعلم لماذا لم يتخذ إجراءات ما للحماية؟ أم إنه اتخذ إجراءات و لكن الإرهابيين تحايلوا عليها؟ و إذا لم يكن يعلم فهل هناك تقصير في جمع المعلومات؟. سمعت أيضا أن هناك كمين للجيش كان قريبا من الاحداث و لم يتحرك لإنقاذ الناس، لا أثق كثيرا في صحة المعلومة لاني لم أسمع عنها تأكيدات من شهود عيان، عموما أتصور أن قواعد الاشتباك و الاوامر التي لدى الكمائن بألا يتركوا اماكنهم مهما حدث حتى لا يتم استدراجهم، هذا ما فهمته من مواقف كثيرة سابقة. باختصار هناك إحتمال ليس ضعيفا بوجود نوع ما من التقصير لكن لا يمكن الجزم به لأن المعلومات قليلة, لذلك أتمنى ممن لديهم المعلومات ان يحددوا ذلك و يحاسبوا من قصر لو هناك تقصير أو يتداركوا الثغرة لو أن ما حدث خارج عن الإرادة، للأسف لأسباب كثيرة لا أثق أن هذا سيحدث و اتمنى أن أكون مخطئا.
و إذا كنا لا نستطيع الجزم بوجود تقصير أمني من عدمه (من وجهة نظري) فإن الملحوظة القادمة تتعلق بنظرية المؤامرة التي يروج لها الكثيرون، و هو الأمر الذي أعتبر دوما (في أي نظرية مؤامرة) أنه لا سند له من الواقع و إنما هي محاولة للربط بين أشياء متناقضة لموافقة هوى أو وجهة نظر شخص ما، في هذه الواقعة ذهب الكثيرون بسبب عدم ثقتهم المفرط في النظام و كراهيتهم  الشديدة له بأن الحادث من تدبير النظام، و ان النظام افتعل الحادثة لتهجير اهالي سيناء لتطبيق كجزء من صفقة القرن (التي لا يعرف أحد ما هي بالضبط و لكنهم يخمنون أنها عملية تبادل أراضي) و البعض الآخر يرى أنها للتشويش على فشل النظام، بعض ممن يروجون لهذه النظرية أرادوا أن يدللوا على صحة نظريتهم بأن أتوا بصورة لتدريب للقوات المسلحة (نشر علنا من قبل) به مسجد و هكذا بمنتهى العبقرية قال أنهم كانوا يتدربون على تلك العملية وقتها، دعك من سذاجة الطرح فهناك من يصدق و كل له أسبابه، لكن في رأيي نظرية المؤامرة مضَّلِلة و تعيق العقل عن الوصول للحقيقة في كثير من الأحيان، ففكرة فتش عن المستفيد هي من أكثر الأطروحات سذاجة فليس شرطا لأن فلان استفاد من حادثة ما أنه هو من فعلها، و مسألة صفقة القرن لا احد يعلم ما هي بالضبط و حتى إن كانت بالفعل تبادل أراض و تهجير لأهل سيناء لا تحتاج كل هذا التعقيد في التخطيط، لا تحتاج ان تقتل كل هذا العدد من أهم حلفائك و جنودك و ضباطك كي تنفذها، ربما أكون مخطئا و لكني غير مقتنع بهذا الطرح بتاتا، و هذه المشكلة دوما في نظرية المؤامرة ، لا دليل عليها و في نفس الوقت لا تستيع أن تفندها (أن تقنع معتنقها بخطئه) و هي مريحة للعقل في أوقات كثيرة على تضليلها.
لكن المشكلة في هذه الحالة أنها تتجاهل أبسط التفسيرات و أوضحها و أقربها للحقيقة و أشدها خطورة، و هي أن هناك إرهاب بالفعل، إرهاب متوحش لا يتورع عن إرتكاب أفظع الجرائم، إرهاب يفاخر بوحشيته و يعرضه علنا لإثارة الرعب في القلوب، ليس من مصلحة أحد تجاهل الإرهاب أو التقليل من خطره أو تمييعه أو للأسف التبرير له (و هذا يحدث لأسباب مختلفة)، و لن أتحدث عمن يتعاطف معه أو يسانده لأنه لا يوجد أمل في شخص يرى كل تلك الوحشية و يساندها، هناك معركة ممتدة في سيناء و محاولة الالتفاف عليها و الترويج لنظرية أن الإرهاب من تدبير النظام ستضرنا جميعا، بالنسبة لي و لمن يشبهني فنحن محاصرون بين نظام أراه شديد الإجرام و ملوث بالدماء و الظلم و أراه يهدم القيم و الأساسيات التي تقوم عليها الدول حسبما أفهم، و بين جماعات و افكار مدمرة لأي مجتمع و قائمة على العنف و التدمير و الخراب
و من مصلحة الجميع (و أعني جميع الاطياف) الوقوف ضد هذين القوسين اللذيْن يحاصراننا لأن في الانحياز لأحدهما هلاك للمجتمع (من وجهة نظري)، ربما يراها البعض مثالية و لكني اراها وسيلة للنجاة. لذا ختاما لتلك النقطة، هناك إرهاب و هو خطر و هو من ارتكب تلك الجريمة الشنعاء، نظريات المؤامرة لن تجدي بل ستزيد الأمر سوءاً، أو هكذا أظن.
النقطة الأخيرة هي عن تلك الفئة الفاشية اللطيفة التي ازدهرت في مجتمعنا، الفئة التي لم تجد ردا على ما حدث سوى اسحق الجميع و دمر كل شيء حتى تقضي على الإرهاب، الفئة التي خاطبها الرئيس في خطابه حول الفاجعة بأنه سيرد بالقوة "الغاشمة". و الحقيقة أنه و بصورة براجماتية بحتة (و بعيدا عن مثاليات العدالة و القانون و هذه الأشياء التي تراها تلك الفئة هراءاً و مجرد عوائق للقضاء على الإرهاب) فإن القوة "الغاشمة" لن تحقق شيئا مع مثل ذلك العدو الذي نواجهه، بل بالعكس ستزيد الأمور سوءا، تخيل أنك تفجر بيتك للقضاء على فأر، أو أنك تطلق الرصاص على أهلك للتخلص من ذبابة، هذا هو مفهومي للقوة الغاشمة، القوة لابد دائما أن تكون عاقلة وواعية بل و حكيمة إن أردت تحقيق نتيجة حقيقية، و العدالة و دولة القانون ليست مثاليات او رفاهية بل هي ضروريات لإقامة دولة قوية. القوة الغاشمة ظالمة و مدمرة و غياب القانون يهدم الدولة من جذورها، و العدالة هي السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك المجتمعات، أعلم أن البعض لا يفهم هذا و يهلل للسحق و التدمير و الثأر و ما إلى ذلك، ولكني أطلقه كصيحة في الهواء قبل السقوط في الهاوية و لعلنا لا نسقط أو ربما سقطنا بالفعل. العجيب أن نفس تلك الفئة المنادية بسحق الجميع تطالبنا بالاصطفاف خلف القيادة في هذا الوقت الصعب و ما لا يدركونه أن مفهوم الاصطفاف مختلف بيننا و بينهم، فهم يريدون إصطفافا لا يتم فيه انتقاد النظام أو مساءلته ناهيك عن محاسبته، و ما لا يدركونه أن هذا النوع من الإصطفاف هو طريق هلاك الأمة، لأنه يعمي عن رؤية الأخطاء و بالتالي تتراكم حتى تهدم المعبد فوق الجميع، النقد و المساءلة و المحاسبة هي من آليات نهضة الدول و لكن للأسف لا يوجد الكثيرين ممن يدركون هذه الحقائق البسيطة.
انتهت الملاحظات و لكن لدي كلمة اخيرة، هناك حوادث في عمر الأمم تكون علامة فاصلة و أمر غير مسبوق، حدث تكون الأمور بعده مختلفة تماما عما قبله. هذا الحادث واحد من تلك الحوادث و علينا ان نسعى أن نتذكره دوما و ألا يتكرر مثل هذا الأمر ثانية، يجب أن يبذل الجميع جهدهم من اجل ذلك، للأسف عندما أعود بالذاكرة في السنوات التي مضت اجد أننا واجهنا العديد من تلك الحوادث التي لا يجب أن تتكرر و التي يجب محاسبة مرتكبيها، و لللأسف لم يحدث الكثير في سبيل أي من ذلك.
 و أخيرا أدعو الله أن تتوقف الدماء عن النزف في بلادنا...
رحم الله من مات و خفف عن من يعيشون هذه الأيام الصعبة...
علاء نبيل
27 -11- 2017


Monday, March 13, 2017

عن الإسلام و الرق و أشياء أخرى - مقال

عن الإسلام و الرق و أشياء أخرى

كنت دوما اعتبر الرق من أشد أنواع الظلم الذي ارتكبه الانسان ضد أخيه الانسان إن لم يكن أسوأها على الإطلاق. نعم، فبالرغم من كل الجرائم و الحروب التي شهدتها البشرية عبر تاريخها، بالرغم من كل القتلى و كل المظالم، تبقى العبودية و الاسترقاق أسوأها بالنسبة لي على الإطلاق. فالعبودية تنطوي على استباحة تامة للانسان و احتقار له و إهدار لحقوقه و حريته ناهيك عن الأطفال الذين يولدون في الرق و تهدر انسانيتهم منذ لحظة ميلادهم.
كمسلم كنت أرى أن الإسلام و بكل تأكيد ضد الرق، هذا واضح تماما، فالإسلام ضد الظلم و بالتالي ضد الرق و يمكننا أن نرى تحجيم الإسلام للرق من أول النصوص التي تساوي بين البيض و السود في الفضل إلى النصوص التي تحث على العتق و جعل العتق تكفيرا عن الذنوب، كلها مؤشرات كانت واضحة بالنسبة لي أن الإسلام ضد الرق. قد يسأل أحدهم و ماذا عن انتشار السبي و الرق في ربوع الدول المسلمة و استمراره حتى العصور الحديثة؟، هذا سؤال منطقي،  و الحقيقة أني كنت أرى تلك الممارسات في البلاد الإسلامية في إطار سياق تاريخي معين و ليس في إطار ديني، بمعني أن الرق و السبي و غيرها من ممارسات العبودية ليسوا واجبات دينية أو حتى مندوبات و لكنها تأتي في إطار إجتماعي معين و الدين بما أنه أتى لرفع الظلم فإنه تدخل لتغيير ذلك الواقع الإجتماعي بالتدريج إلى أن يتم القضاء عليه نهائيا.
هكذا كنت أرى و لكن كل شيء تغير لحظة ظهور" داعش"....
"داعش" أتت بشر عظيم.. وحشية و همجية جاءت من قلب كتب التاريخ، بدأنا نرى رؤوساً مقطوعة و أشلاءاً ممزقة و تلذذ واضح بابتكار طرق جديدة للقتل و التعذيب، شيء لم يكن في خيال أي فرد و المصيبة أن كل تلك الممارسات تمت تحت راية نصرة الإسلام و تطبيق الشريعة، كان من المقبول تماما أن نصفهم بالخلل في النفوس و العقول لكن ما زاد الطين بلة بالنسبة لي هو إعادتهم للسبي و الرق، هذا لم يكن أمرا معتاداً من الجماعات المتطرفة و لم يكن من مطالب تطبيق الشريعة فلماذا أعادوا تلك الممارسة؟ و هنا يتجلى السبب واضحاً كالشمس، هما يرونها واجبا دينيا مهدراً، يرون هذا الظلم البيِّن أمرا دينياً يجب تطبيقه و تعميمه، أعلم انك تتسائل الآن كل هذا القتل و كل هذه البشاعة و تتوقف عند السبي و الرق التي تعد انتهاكات خفيفة بالمقارنة بكل ما يفعلونه؟
 قلت في البداية أنني ارى الرق أشد أنواع الظلم البشري و لكن للتوضيح أنا لا أقلل من بشاعة ما فعلوه و ما يفعلونه من جرائم و لكن هالني إفتراضهم أن الدين يأمر باسترقاق الناس و ظلمهم برغم إيمانهم بأن الدين يسعى لرفع الظلم عن العالمين و هذا تناقض و خلل ناهيك عن تديين الظلم بحيث لا يمكنك رفعه بعد ذلك لأنه صار جزءا من الدين و هذه - في رأيي- كارثة لا يعلم مداها إلا الله.
كان من الممكن ان أركن لفكرة أن "داعش" مجرد جماعة مارقة لديها خلل في مفاهيمها و أنها لا تمثل الإسلام بكل سماحته و لكن الأمور لم تكن بهذه السهولة. فداعش صارت لها شعبية لا بأس بها وسط الإسلاميين خاصةً و المسلمين عموماً سواء كانوا معتدلين أو متشددين، كان من المألوف ان تجد شخصا تعرف عنه الوداعة و اللطف مؤيد لممارسات داعش لأسباب مختلفة منها السياسي و منها الديني، كانوا (و لازالوا) يبررون لهم كل ما يفعلونه من جرائم وحشية، حتى الرق و السبي الذي هو ظلم واضح كانوا يبررونه و يدافعون عنه، هؤلاء الأشخاص يعيشون بيننا يخفون افكارهم حيناً و يظهرونها حيناً آخر و التعامل معهم كان صادماً بالنسبة لي. كنت تجدهم يبررون ممارسة مثل الرق و السبي بأنها كانت تحدث أيام النبي (هل تجرؤ على الإعتراض؟!) ثم يرددون العبارة التي صارت تستفزني عند سماعها.."ليس في الإسلام ما نخجل منه"، جعلوا الظلم من الإسلام ثم أرغموا نفسهم على قبوله و تبريره و عدم الخجل منه، شيء مؤسف أن يتم إغتيال النفوس بل الفطرة السليمة بتلك الطريقة. كما قلت الرق و الاستعباد كانت ممارسة موجودة في عهد النبي بالفعل و لكنها لم تكن واجبا دينيا، صحيح أن هناك حديث شريف ينذر العبيد الذين يفرون من أسيادهم بعدم قبول صلاتهم (عندي مشاكل حقيقية مع ذلك الحديث) و لكن لا يمكن فهمه أو تفسيره بأن الرق واجب ديني أو أمر من الدين على الإطلاق (أي أن الدين لا يطلب منك بأي حال من الأحوال استرقاق الآخرين حتى لو أباحه) و كما قلنا الإسلام ساوى بين البيض و السود و جعل العتق سبيلاً لتكفير الذنوب و لكن البعض للأسف لديه رأي آخر و هذا الرأي ينم عن خلل و مشكلة ربما تمتد إلى الدين ذاته.
ما لا يدركه المدافعون و المبررون لتلك الممارسات أنهم يدفعون العديد من المسلمين للتشكك في دينهم من الأساس، فإن كانوا هم أرغموا انفسهم على قبول تلك الممارسات و قتلوا في سبيلها نفوسهم و عقولهم فإن هناك الكثير من المسلمين من لازال لديه فطرة سليمة كي يرفض كل تلك التشوهات، و الاصرار على ربط كل تلك الممارسات المجرِمة بالإسلام (أو الدين عموما) إنما يدفعهم دفعا لترك الدين. في رأيي الشخصي بل في إيماني و قناعاتي لا يمكن ان يكون الدين مرتبطا بكل تلك الجرائم، الخطأ الذي يحدث في رأيي هو خلط سياق تاريخي معين بالدين بحيث تصبح إيجابياته و سلبياته مرتبطة بالدين و ليس بالتاريخ، أما تبرير هؤلاء المدافعين عن داعش لتلك الجرائم و غض النظر عنها بدعوى أنها صحيح الدين فهي ببساطة إساءة للدين قبل أي شيء آخر و أزعم ان عدداً لا بأس به من المسلمين تخلى أو يكاد يتخلي عن الدين برمته بسبب تلك الممارسات و تلك التبريرات، بل إن تلك التبريرات ربما تكون أشد وطأة على الإسلام من إرتكاب تلك الجرائم، فوجود قطاع عريض و شرائح متعددة من المؤيدين لتلك الأفعال ترسخ إنطباعاً (خاطئاً أو صحيحأ وفقاً لموقعك) بأن تلك الممارسات هي صحيح الدين، ببساطة هم كالدبة التي قتلت صاحبها، يظنون انهم يدافعون عن الإسلام و هم مهلكوه.
أذكر في عام 2012 (و قبل ظهور داعش و انتشارها) أن مشكلة حدثت أثناء كتابة مواد الدستور المصري الجديد الذي كان يتم إعداده في ذلك الوقت، كان الخلاف بالطبع بين المعسكر المدني و المعسكر الديني، كان هناك جدل (لم أفهم سببه حينها) حول مادة تجرم الرق و الاتجار بالبشر و تؤكد على حرية الانسان، لسبب ما كان هناك رغبة لدى "بعض" الإسلاميين لعدم إدراج تلك المادة، بل إن عضوة بالجمعية التأسيسية قالت إنها تشعر بالإهانة لأنهم يريدون إدراج تلك المادة في عصرنا الحديث حيث لا يوجد رق، وقتها - حسب ذاكرتي - وافق المعسكر المدني على عدم إدراج تلك المادة أو تم صياغتها بصورة مختلفة (لا أذكر بالضبط) للأسف لأن ذلك الدستور كان يقوم على المحاصصة أي أن أُمرر لك مادة و تمرر لي أخرى و ليس على صياغة عقد إجتماعي حقيقي كما يحتاجه الوطن، المهم أني وقتها لم أفهم ما الذي يعيب تلك المادة و لماذا يعترضون عليها و هي فيها توضيح لحقوق انسانية متفق عليها كما كنت ارى مفارقة عجيبة فنفس الدستور الذي لم ينص على تجريم الرق كان به مادة تقنن العمل القسري، كنت وقتها أقول (و كنت أفترض حسن النوايا) بهذه الطريقة نكون قد جعلنا الرق دستوريا دون أن ندري.
الآن و بعد ما فعلته "داعش" أرى تلك الواقعة في ضوء آخر و لا أملك إلا أن أسأل، هل كانوا يرفضون تلك المادة لإرضاء أنصارهم لأنهم يرون الرق من الدين و لا يجوز منعه، لازلت لا أستطيع أن أصدق هذا و لا يوجد دليل على ظني، و لكنه يبدو الآن و في ضوء ما نراه تفسيراً منطقياً، و هنا لي وقفة..
فكلامي لا يعني أن كل المسلمين أو حتى كل الإسلاميين يؤيدون داعش او يوافقون على الرق، بالعكس هناك الكثير ممن يرفض تلك الممارسات لكن من يوافقون عليها ليسوا قلة أيضاً و ما نشهده الآن جزء من الصراع بين الطرفين و لا أدري حقا من سينتصر و جل ما أخشاه ان ينتصر الظلم و الطغيان و لهذا احب ان اوجه كلامي التالي لكل مؤيدي داعش و مبرري ظلمها:
"أي دين تؤمنون به حقاً؟..
أي خيالات مريضة و نفوس سقيمة تصور لكم أن كل هذا القتل و الدمار و الظلم هو دين الله..
أتؤمنون حقا ان رسالة الله للبشرية تنطوي على سفك الدماء و استرقاق البشر..
أهذا هو النور الذي تسعون لنشره بين ربوع الدنيا...
أهذه هي رحمة الله للعالمين...
أين عقولكم؟ بل أين ضمائركم؟..
أهذه هي الفطرة؟...
أي فطرة تُنتج كل هذا الدمار و توَّلِد كل هذه الكراهية؟!!...
ما هي رسالتكم للعالم؟ ..
بل ما هي رسالتكم للمسلمين أنفسهم؟...
تُحرِّمون البهجة و تمجدون الخراب و الدمار و سفك الدماء..
ألا تدركون أنكم و بانحيازاتكم المُنحطَّة تنفرون غير المسلمين و المسلمين انفسهم من الإسلام؟..
أتظنون أن الله لن يسائلكم عن كل من انصرف عن الدين بسببكم..
اتقوا الله إن كنتم حقاً تخشونه...
الظلم ليس ديناً، السبي ليس ديناً، القتل ليس ديناً..
لا تلوموا الآخرين على حالكم و لوموا أنفسكم..
اسألوا أنفسكم و تفكَّروا جيدا قبل الإجابة.. أي دين تتبعون؟"
عسى الله أن يهدينا و إياكم سواء السبيل.
علاء نبيل حسن

13-3 -2017

Saturday, May 28, 2016

عن العلم و الإيمان - مقال

عن العلم و الإيمان
الغلام: هل العلم و الدين متفقان أم مختلفان؟
الشيخ: متفقان فالدين منَّزل من عند خالق الكون و العلم هو دراسة طبيعة هذا الكون فكيف يختلفان؟!
الغلام: و ماذا إن وجدنا إختلافاً بينهما؟
الشيخ: ساعتها فالزم الدين يا بني فالدين ثابت مطلق و العلم متغير متبدل بتبدل الادلة و تطور فهمنا للكون.

هل يبدو لك هذا الحوار مألوفاً؟ هل سمعت مثل تلك الأسئلة و تلك الإجابات من قبل؟ بالتأكيد مرت عليك تلك الخاطرة حول العلاقة بين الدين و العلم, ربما حيرتك النقاط الخلافية بينهما, ربما اتجهت للتسليم بأن المستقبل وحده مع تراكم الادلة كفيل بحل تلك النقط الخلافية و ربما تكون قد انحزت لأحد الطرفين فنبذت الدين أو العلم.
أول تعرض لي لتلك المعضلة كانت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي و العشرين, كان هناك كتاب ذاع صيته اسمه قصة الخلق من العرش إلى الفرش تأليف شخص كان مجهولاً بالنسبة لي وقتها اسمه عيد ورداني, كانت الدعاية للكتاب مهولة و كانت أغلبها مرتكزة على رفض معلومات و حقائق وصل لها العلم الحديث و إنكارها و استبدالها بمعلومات أخرى وفقاً لرؤية الكاتب, كانت تلك الدعاية كفيلة بالنسبة لي أن أتجاهل مثل هذا الكتاب تماما لأن هذا الكلام بالنسبة لي كلام فارغ لا يستحق الالتفات إليه, لكني قابلت في معرض الكتاب بائعا ذكياً استطاع أن يستفز القط الفضولي بداخلي كي يدفعني لشراء هذا الكتاب, خصوصاً أنه تحدث عن أن المؤلف لديه أدلة حاسمة على كلامه.
و الحقيقة إنني لم أندم في حياتي قط على شراء كتاب قدر ندمي على شراء هذا الكتاب, كلام أغلبه مرسل و محاولات بائسة للي أعناق الآيات و الأحاديث ليثبت كلامه و عدم فهم غير طبيعي للعلم و حقائقه و إنكار مريض لها. وقتها قلت هذا كلام رجل مخرف يبحث عن الشهرة و في سعيه هذا أساء للدين و العلم ووقتها اتفق معي د/زغلول النجار الذي كنت أحترمه كثيرا و أحترم "علمه " وقتها فقال غن هذا الرجل لا يفهم العلم و ليس متعمقاً في الدين و كان هذا كافٍ بالنسبة لي كي أنبذ هذه الأفكار تماماً.
وقتها لم أدرك و لم أكن أعلم ان هناك بالفعل مشكلة في فهم بعض النصوص القرآنية و النبوية تتعارض مع الحقائق التي أثبتها العلم الحديث و التي صارت معلومات بديهية لأي فرد, كما قلت كانت هذه بالنسبة حالة فردية لشخص مخرف يسعى للشهرة و فيها ما فيها من سوء تفسير للأحاديث و الآيات القرآنية. مرت أكثر من عشرة سنوات قبل أن أصطدم مرة أخرى مع تلك المعضلة, كنت أتحدث مع صديق لي عن مقالة قرأتها تتحدث حول بعض الإختراعات التي كاد  بعض علماء الدين أن يحرِّموها لولا وجود علماء واعين رفضوا تلك الآراء المتشددة. لأفاجأ به يقول لي إن الشيخ الجزائري و هو راجل فاضل و ليبارك لنا الله في علمه مازال حتى الآن يرفض فكرة كروية الأرض و دورانها برغم محاولة تلاميذه إقناعه بالعكس, ساعتها تساءلت أي علم يطلب صديقي أن يباركه الله؟ هذا جهل مطبق و سوء تفسير للآيات, لا يمكن أن يختلف العلم و الدين لهذه الدرجة و لكن للأسف اكتشفت بعد ذلك ان كثيراً إن لم يكن أغلب علماء الوهابية على ذلك الرأي و يرفضون فكرة دوران الأرض حول الشمس أو أنها كروية و يتمسكون بفكرة مركزيتها و ثباتها, رباه ألم تكن تلك نفس فكرة الكنيسة في العصور الوسطى و التي كاد جاليليو أن يُحرق بسببها؟ كيف يعقل أن هناك في عصرنا الحديث من لايزال يجادل في حقائق عليها أدلة واضحة كهذه؟ قد تظن أن المشكلة تقف عند هذا الحد و ساعتها ستجد أن هناك بعض المؤمنين بنظريات المؤامرة في الغرب يقولون مثل هذا القول, في النهاية الحقيقة واضحة وهذه "مجرد" آراء شاذة و لكن للأسف المأساة لا تقف عند هذا الحد. فبعض الشيوخ الأجلاء يُكَّفرون من يصدق فيما يقوله العلم حول هذه القضية, باختصار هم يضعون إيمانك (قلبك) في كفة و تصديق الأدلة العلمية الواضحة (عقلك) في كفة اخرى و يخيرونك بينهما فإذا اخترت عقلك فأنت كافر وجب قتله و إذا اخترت قلبك فقد خنت العقل الذي كرمنا الله به, فأين المفر؟
 السؤال المهم هنا, كيف كمؤمن أتعامل مع المواضيع التي يختلف فيها العلم و الدين مع بعضهما البعض؟ هل أشك في الإيمان أم في العلم؟ لن يقبل قلبي أو عقلي أحد الإحتمالين. حسناً, لنبدأ بتلك العبارة التي ربما تسمعها من شيوخ و متدينين كُثُر, الدين ثابت و مطلق و العلم متغير فيجب عليك تصديق الدين فوراً و إنتظار أن يأتي العلم بجديد, عبارة مريحة تجعلك بصورة ما متسق مع ذاتك و إيمانك و لكن الحقيقة أن تلك العبارة بها مغالطات كثيرة فلا الدين بهذا الثبات و لا العلم بهذا التغير, كيف هذا؟
عندما تسأل نفسك عن ماهية الدين فستجد أنك أمام شقين مهمين, الأول هو النص ( الإلهي و النبوي) و هو مبني على الوحي و الشق الثاني هو تفسير النص و جمعه و الفقه المستند علىه و هذا عمل بشري محض قائم على الاجتهاد, و لأنه عمل بشري ففيه إحتمال الصواب و الخطأ, و طالما فيه إحتمال للخطأ فهذا لا يجعله ثابتاً أو مطلقاً كما تقول العبارة. قبل ان يتهمني أحد بالتشكيك في الدين و هذا أبعد ما يكون عن نواياي دعني أضرب لك مثلاً, هناك آية في سورة القلم تفسيرها لدى المفسرين الكبار عجيب جدا و بمقاييسنا الحالية يرقى هذا التفسير لمرتبة الخرافات, الآية هي أول آية في سورة القلم "ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ" و برغم بساطة  الآية فإن التفسير العجيب هاهنا يتحدث عن حوت عملاق يحمل الأرض على ظهره و يمكنك أن تبحث عن التفسير بنفسك كي تتأكد, هل الخطأ هنا في القرآن (النص الإلهي) أم في التفسير (عمل بشري)؟ بالتأكيد الخطأ في التفسير و هو أمر وارد تماماً لكن كثيرون يرفضون فكرة وجود أخطاء في التراث الذي هو عمل بشري مهما كانت عظمة و براعة المجتهد لأنهم يظنون أنهم يهدمون ثوابت الدين مع أن العكس هو الصحيح.

ماذا عن العلم؟ بالتأكيد العلم يتغير لكن هذا التغير ليس تغيراً إلغائيا يلغي ما قبله و لكنه تغير تراكمي يضيف على ما قبله و يعالج أي قصور فيه, فإذا توافرت لدينا معلومة ما في وقت معين فهذا يعني أن هذه أفضل معلومة وصلنا إليها بفحص الأدلة  التي لدينا بالأدوات المتاحة لنا و لا تتغير تلك المعلومة إلا بتراكم ادلة جديدة أو تطور الأدوات التي لدينا فتتغير نظرتنا و نعالج أي قصور كان في النظرية أو المعلومة التي لدينا, فالعلم لا يلغي بعضه بعضاً و لكن يكمل بعضه بعضاً. أفضل مثال على ذلك هو تطور مفهوم الجاذبية من عهد نيوتن إلى عهد أينشتاين, نيوتن استطاع بالمعادلات الرياضية تفسير ظاهرة الجاذبية و كان تفسيرا جيدا جدا استمر لعدة قرون و لكن كان هناك شذوذاً في بعض الحالات التي لا يستطيع تفسيرها القانون و جاء أينشتاين ببساطة ليقدم حلاً لتلك المعضلة, لم يلغِ قانون الجاذبية لنيوتن و لكن أضاف له ليصبح ذلك القانون هو حالة خاصة في الجاذبية و نظرية أينشتاين هي الحالة العامة. العلم متغير بالفعل  و لكن تغيره مختلف عما تفترضه تلك العبارة.

هل معنى هذا الكلام أنه في كل مرة يختلف فيها العلم و الدين يجب علينا أن نشك في التفسير الديني للآيات و نعيد تفسيرها؟ و كيف يستقيم الدين بعد ذلك؟

الحقيقة أن هذا ليس ما أقصده على الإطلاق, ما أريده هو ان تترك الأمور العلمية للعلم كي يبحث فيه و يصل إلى نتائجها و تفسيرها بحرية تامة و أن تتطور تلك النتائج و التفاسير بتطور الأدوات العلمية للبحث دون أن تفرض على العلم إجابة فوقية من خلال تفسير لنص قد يحتمل ذلك التفسير الصواب أو الخطأ. دعني أضرب لك مثالاً, تحدثنا منذ قليل عن العلماء الذين ينكرون كروية الأرض, هل تعلم أن ابن حزم أفتى بكروية الأرض قبل أن تثبت كرويتها من خلال تفسيره لآية: 

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار

 (سورة الزمر الآية 5)

 ما أقوله هنا هو أن تلك الفتوى على صحتها العلمية خاطئة, لأن تلك الأمور يجب ان تترك للمتخصصين فيها كي يبحثوا بحرية, قد يكون ابن حزم تأثر بحوار حول ذلك الأمر دار في عصره, ربما يكون قد تأثر بآراء بعض علماء الجغرافيا و الأفلاك في عصره لكن في كل الأحوال لا يجوز ان تضع الدين في كفة و العلم في كفة و تطلب مني الاختيار, لا يمكنك أن تفرض على العلم إجابة تختلف مع الادلة المتاحة, لابد أن يترك العلم ليقوم بدوره و الدين ليقوم بدوره فإذا إختلفا علينا نبحث في الأمر من ناحية العلم و من ناحية الدين, ننظر للتفاسير و نراجعها و ننقحها و نزيد بحثنا في العلوم و نطور أدواتنا لعل الحقيقة تنجلي لنا بعد حين, في كل الأحوال لا يجب علينا تكفير من يصدق العلم حتى لو رفض ما يأتي في بعض النصوص الدينية, بل يجب علينا ان نبحث لكي نعرف سبب هذا الاختلاف و نحاول أن نصل لنقطة إلتقاء مهما أخذ هذا الامر من وقت فالوقت وحده كفيل بكشف الحقائق إذا اجتهدنا في البحث و أن نثق أن الله سبحانه و تعالى لن يضعنا في اختبار يكون علينا فيه ان ننبذ عقولنا و الأدلة التي أمامنا أو أن نخرج من الدين, فالله عادلٌ رحيم.  

نقطة أخيرة, ماذا عن الإعجاز العلمي للقرآن؟ أليس فيه ما يدل على صحة القرآن و أنه لا يختلف مع العلوم بل كَشَف حقائق لم يتوصل لها العلم إلا بعد زمن طويل؟

الحقيقة إن الإعجاز العلمي في القرآن فيه مشكلة منطقية كبيرة جدا, فأهل الإعجاز العلمي يأتون بحقيقة علمية تم الوصول إليها في عصرنا ثم يأتون بآية أو حديث و يقومون بتفسيرها بطريقة تثبت أن الإسلام عرف تلك الحقيقة العلمية قبل 14 قرناً من الزمان, و لكن لو كان الإسلام عرفها فلماذا لم يعرفها المسلمون إلا عندما اكتشفها العلماء في وقتها؟ كنا لنكون امة شديدة التقدم علمياً لو كنا عرفنا تلك الحقائق قبل أن تكتشف, هناك مغالطات منطقية واضحة في أغلب دعوات الإعجاز العلمي و في احيان كثيرة يتم لي عنق النص بما يناقض تفسيره الأصلي لكي يوافق حقيقتهم المفترضة, ناهيك أن هناك من الملحدين من يأخذ نفس الآيات لكي يفسرها بصورة عكسية كي يوضح أن هناك أخطاء علمية بالقرآن و بالتالي الدين نفسه ليس صحيحاً, هذا باب خطير للتدليس على الدين خصوصا إذا ثبت خطأ التفسير المبالغ فيه منذ البداية.

ليس معنى هذا أني انكر أن هناك إشارات علمية مهمة في القرآن و السنة و لكنها ليست إعجازا علمياً بالمعنى المقصود و في رأيي لا يجوز لي عنق الآيات كي تثبت شيئا لم يكن موجودا من قبل في القرآن من الأصل. نقطة أخرى أن هناك كثيراً من رواد الإعجاز العلمي في القرآن يكذبون كما يتنفسون للأسف, ربما يظنون أنهم يخدمون الدين بتلك الطريقة و لكنهم بالنسبة لي مدلسون لا يمكن الثقة فيهم. أول الأكاذيب أنهم لا يتعرضون للنقاط التي يختلف فيها العلم مع التفاسير الدينية بل يتجاهلون تلك التفاسير و يدعون انه لا خلاف على الإطلاق بل العكس, و هذا تدليس كبير و هو يغذي المشكلة و لا يحلها. و لكن تلك فقط ليست كل الأكاذيب, لقد رأيت شيوخا كنت أحترمهم بشدة يزيفون الملعومات العلمية و يكذبون حولها لكي يدعوا إنها توافق القرآن و السنة و هذا جعلني لا أثق في أي أحد منهم و أنا أرى منهم الكذب الواضح الصريح, ناهيك عن المغالطات التي يروجون لها و التي لا أصل لها في العلم و الدين فهم لا يدققون في المعلومات أصلا. لذا لا تعتمد كثيراً على حل معضلة العلم و الإيمان من خلال الإعجاز العلمي في القرآن فالتدليس فيه اكبر من الحقيقة و رواده لا يمكن الثقة فيهم للأسف.

في النهاية أنت وحدك من يمكنه بالبحث و التدقيق الإجابة عن الأسئلة الصعبة فأنت من تحدد طريقك و قناعاتك و لكن عليك بالبحث بالطريقة الصحيحة و لا تيأس فالإجابة حتماً آتية.

Thursday, March 10, 2016

انتصار - قصة قصيرة

انتصار

ظلام...
ظلام دامس يجثم على روحه, يخنقه, يقبع فيه عاجزاً ضعيفاً غير قادر على فعل أي شيء. لم يعد يذكر آخر مرة رأى فيها الضوء, لم يعد يتذكر وجوه أحبته, لم يرَ وجه أي شخص منذ أمدٍ بعيد و ذاكرته لم تعد تسعفه, كل الوجوه اختلطت عليه في ظلمته, أمه, أبيه, اخته, أخيه, صديق الطفولة المقرب, شركاؤه في عمله, يكاد يجن, يحاول أن يستدعي صورة أي وجه يؤنسه في وحشة ظلمته لكنه لا يستطيع, يبكي و لكن دموعه جفت منذ فترة, ربما لو تذكر وجه واحد فقط ستكون الأمور أفضل أو هكذا يظن.
أسئلة كثيرة تلح عليه هذه الأيام, هل لازالوا يذكرونه؟ كيف حالهم الآن بعد طول الغياب؟ هل يفتقدونه؟ هل نسوه؟ لا, لا يمكن أن يكونوا قد نسوه, كم مر عليه هاهنا؟ لو أنه فقط يعرف, لم تعد للأيام أي قيمة هاهنا, هو هنا منذ فترة طويلة هذا ما يعلمه على الأقل و ما لا يجب أن ينساه. متى آخر مرة توضأ و صلى لله, لا يذكر, لا يعرف أصلا الليل من النهار فكيف بمواقيت الصلاة, يحاول ان يخمن, يحاول أن يصلي بما أتيح له من الجوارح و لكنه لا يشعر أنه يصلي, لو أنهم يسمحون له بالصلاة أو أي شيء آخر يشعره انه لازال انسانا, يريد أن ينام فترة متصلة كأي انسان طبيعي و لكن حتى هذا ضنوا به عليه, حتى النوم لا يتيحونه له, ماذا تبقى له كانسان؟
فجأة جاء الصوت, الصوت المعدني الذي يجعل قلبه يرتجف, صوت فتح الباب بالمفتاح, "ليس مجدداً" هكذا صرخ في داخل نفسه و لكنه لم يصدر أي صوت ينبه القادم بفزعه, يرهف السمع بشدة, خطوات الأقدام تقترب منه, يفك قيده بقسوة و هو يتمتم "هيا يا ابن الكلاب, ميعاد كل يوم", يجذبه بعنف, لا يعينه على النهوض بل يجرجره على الأرض بقوة مذهلة, يكاد يصرخ أن انتظر سآتي معك بدون كل ذلك العنف لكنه يختار الصمت, يحاول أن يعين نفسه على النهوض لكن الرجل لا يسمح له و يستمر في جرجرته على الأرض. يتوقفون قليلاً يسمع صوت طرق الباب و صوت حارسه يتمتم باحترام, "المسجون يا أفندم", رجفة عنيفة تنتابه و لكنه يقاومها, يسمع الصوت الذي كانت ترتجف له ضلوعه منذ ورد إلى هذا المكان, ذلك الصوت الذي لا يعرف شكل صاحبه و لكنه لا يتصور أن صاحبه سيختلف كثيرا في الشكل عن الوحوش التي قرأ عنها في الأساطير, بل ربما لن يفرق كثيرا عن الشيطان الرجيم.
"دعه يا مغاوري, أمامنا يوم طويل" هكذا هتف الصوت الغليظ, كان يعرف جيداً ماذا يعني هذا اليوم الطويل, كان مرعوبا من مجرد التفكير في الأمر, كل هذه الفترة لم يتعود على الأمر, هم مبدعون حقا, قادرون على مفاجأته في كل مرة و إيصاله لمستويات جديدة من العذاب لم يكن يعرف بوجودها من الأساس. يحاول أن يتذكر كيف جاء إلى هنا, كان ذاهبا لشراء بعض إحتياجات متجره, سمع ذلك الصرير المزعج, و مجموعة الأشخاص الذين اندفعوا من داخل السيارة الكبيرة و جذبوه إليها و هم يضربونه بقسوة غير مبررة, صرخ كثيرا لكنَّ أحداً لم يلتفت إليه, كل الأشخاص في الشارع تجاهلوا المشهد و كأنهم لا يرونه, لازال يذكر نظراتهم الباردة و الخوف البادي في أعينهم, حاول أن يستنجد بهم و لكنَّ أحداً لم يحاول حتى أن ينقذه. الأيام التي تلت كانت قاسية, تلك العُصابة التي تعزله عن العالم و التي لا يستطيع نزعها و إلا قتلوه, يا الله لماذا لا يزال متشبثاً بالأمل و بالحياة, لماذا لا ينزع هذه العُصابة عن عينه بالقوة و ينظر إلى معذبينه بتشفٍ و انتصار, ما الذي يضيره بعد كل هذا التعذيب الشديد الذي يكاد يذهب بعقله من شدة الألم. عذبوه بكل الطرق الممكنة و الغير ممكنة, كهرباء في المناطق الحساسة, ضرب حتى يشعر بالدماء و التورم في كل جزء من جسده, ترهيب, حرمان من النوم, تعليقه في أوضاع صعبة تكاد تتمزق فيها أطرافه, صنوف و ألوان من العذاب لم تخطر على باله من قبل.
و لماذا كل هذا العذاب, حاول أن يستشف أسباب وجوده من خلال الأسئلة التي تطرح عليه و التي لم يكن يعرف لها أي إجابة. سألوه عن مصادر تمويل, عن أشخاص لا يعرفهم, عن تعليقات له على مواقع التواصل الإجتماعي, عن أصدقائه على تلك المواقع, عن اصدقائه في الحياة العادية, أسئلة كلها لا تبرر وجوده في هذا المكان كما أنه لم يكن يعرف لها إجابة حقيقية شافية لربما كانت تساعده في الخروج من ذلك الكابوس.
"اسمع يا رقم 1432" قالها معذبه في هدوء شديد, في داخله كان يتساءل في إنزعاج لماذا ينادونه بذلك الرقم لماذا لا ينادونه باسمه, يشعر أنه قد شارف على نسيانه, 1432 هل هذا يعني أن هناك 1431 شخصا قبله جاؤوا في نفس المكان و الظروف, كانت فكرة مخيفة حقا. " اسمعني جيدا يا 1432, أنا بت مقتنعا أنك بريء لا علاقة لك بأي شيء, كل هذا التعذيب لا يتحمله شخص مذنب, بل إن الأبرياء لربما اعترفوا تحت وطأة التعذيب, لذلك فأنا لن أعذبك اليوم لكي أحصل منك على معلومات, هذه مسألة عبثية تماماً و أنا لا أحب العبث و لكني سأعذبك لأني معجب بك, سأعذبك حتى تصرخ و ما أن تصرخ ربما أفكر أن أخرجك من هنا".
ربما لأول مرة منذ أن دخل هذا الجحيم يشعر برغبة في الابتسام, كان يعرف أن معذبه يكذب و لن يخرجه من هنا و لكنه يريد فقط كسره, يحاول أن يتذكر كيف بدا ذلك التحدي, عندما بدأ التعذيب لأول مرة كان يصرخ كالمجنون و كان يسمع معذبيه و هم يضحكون من صرخاته, لم يكن ذلك يشغله كثيرا إلى أن سمعهم يهينونه و يسخرون منه و من عائلته بسبب صراخه, كانوا يريدون أن يكسروه, هذا ما أدركه في هذه اللحظة الفارقة و هنا أخذ قراره, سيصمت, لن يعطيهم فرصة الاستمتاع بألمه, سيصمت و لن ينكسر أمامهم مهما بلغ الألم. كان فخور بنفسه فمنذ اتخذ هذا القرار لم يصرخ بل لم ينطق بكلمة مهما اشتد التعذيب, كانت هناك أيام يشعر أنه سيموت من كثرة التعذيب و لكنه صمد, كان يعرف من بعض ما يسمعه أن هذا يثير حنق معذبيه بشدة فكان هذا دافعا له لكي يستمر في صمته, الصمت هو سلاحه, لن يمنحهم فرصة كسره, على الأقل حتى هذا الوقت فهم قادرون دوما على مفاجأته بمستويات جديدة من التعذيب و ربما ستكون اللحظة القادمة هي التي ينكسر فيها أو ربما في لحظة بعدها و لكنه حتى تأتي هذ اللحظة سيصمد.
"صامت كالعادة, حسنا لقد جهزت لك برنامجا لن تستطيع ان تصمت بعده", كانت نبرات صوته تنم عن تشفٍ كبير, لم يكن يعرف ما ينتظره و لكنه كان يأمل ألا يكون هذا اليوم يوم انكساره, أن يمر يوم آخر في هذا العذاب دون أن ينكسر  صار ذلك أمله و دافعه الوحيد للحياة. " هل تعلم إني كنت أظن خلال الفترة الماضية أن تحملك للتعذيب بسبب أنك مدرب على ذلك, هذا دعاني للشك فيك أكثر و لكني الآن فهمتك جيداً, أنت مجرد شخص عنيد, أليس كذلك؟", استمر في صمته و لكن جزءا منه يشعر بالارتياح لأنه سبب كل ذلك الإزعاج و تلك الحيرة لمعذبيه. "حسنا لن يدوم صمتك طويلاً", قالها و بدأ يقترب منه رويداً رويداً ثم صفعه بكل قوة, "الصفع ربما ليس مؤلماً بشدة و لكنه مهين لأقصى درجة, هذا مجرد استفتاح, سابدأ معك بالتدريج حتى أصل لأقصى ما لدي, تذكر, كل عذابك ينتهي فور أن تصرخ, و أيضا ربما تخرج من هنا إذا فعلت ذلك, أقول ربما لأني قد يتراءى لي أمر آخر بعدها", ثم انهال عليه بوابل من الصفع و اللكم و الركل في كل جزء من جسده, لم يكن بجسده مكان يخلو من التورم من أثر التعذيب السابق فكان ذلك مثل إضافة الملح على الجرح و لكنه برغم هذا لم يكن كافيا لكسر إرادته هذه المرة.
"حسناً, لم أتوقع ان يكسرك هذا, عموما لازلنا بالبداية, الآن نلجأ لأحد أدواتي المفضلة, المطرقة, سأكسر كل إصبع من أصابع يديك و رجليك باستخدام هذه المطرقة حتى تصرخ, قلت لك, أنا لدي برنامج كامل لك", بدأ بإبهام يده اليمنى و اخذ يضربه بالمطرقة  حتى لم يعد يشعر به من شدة الألم ثم ظل ينتقل من إصبع لإصبع و الألم يتزايد في كل مرة حتى إنه يشعر بأن أحشائه تكاد تنفجر من شدة الألم و لكنه استطاع المقاومة و لم ينكسر برغم الألم الرهيب. "لازلت صامتاً؟!, كما قلت لك أنا معجب بك بشدة و لكن لا أمل لديك اليوم, نحن لسنا في استجواب و لا أحاول إستخلاص معلومات منك, لذلك لن اتحفظ و سأجرب معك أشد صنوف التعذيب, حسناً لننتقل الآن للكي" و هكذا باستخدام عصا معدنية تم تسخينها لدرجة الإحمرار ظل يكوي في جسده حتى اشتعل الدخان منه, في تلك المرحلة فقد وعيه من شدة الألم, و لكنهم لم يرحموه فما أن فقد وعيه حتى قام معذبه و معاونوه بكل الإجراءات الممكنة كي يستيقظ, " هل ظننت أنك ستفلت من العذاب بهذه السهولة, قلت لك أنك سترى صنوفاً من العذاب لم تراها من قبل", جذبه هو و معاونوه ثم قيدوه عارياً إلى سرير معدني, كان كل جزء في جسده يصرخ من الألم و لكنه ظل صامتاً, "حسنا أنت جربت هذا من قبل, و لكن كما وعدتك فنحن سنصل إلى مستويات لم تراها من قبل و حتى إذا تحملت أقصى درجة منه سيكون لدي وسائل أخرى بجانب الكهرباء, ساسلخ جلدك حياً إن إضطررت إلى ذلك, لابد أنك تعلم الآن أن قلبي ليس به مكان للرحمة او الشفقة فهلا تخليت عن عنادك", لكنه لم يُجِبْه, فبدأ بالكهرباء, درجة بدرجة, و مع كل درجة كان ألمه يزداد حتى شعر أن مخه يكاد ينفجر و لكنه واصل الصمت, زاد معذبه من درجة الألم, "ألازلت مصراً على العناد, حسنا ستحب هذه الدرجة, لم نصل لهذا المستوى من قبل", بالفعل كان الألم لا يحتمل و بدا له أن يستسلم فلن يستطيع تحمل هذا العذاب.
و فجأة...
تنامى إلى ذهنه صوت كروان ينشد أنشودته, " الملك لك لك يا صاحب الملك", ثم ظهر الضوء, ضوء أبيض ناصع و لكنه لا يؤذي عينيه, ثم جاءت الفراشات و الطيور و بدا و كأن الكون ذاته يعزف انشودة خصصت له, ظلت الطيور تحلق حوله و هي تغرد بأعذب الأصوات و طارت الفراشات الملونة من بين يديه صانعة صورة مبهجة لم يكن يتصور أنها موجودة في هذه الدنيا, ثم سمع صوتاً يتردد في المكان,....
"ألا أيها المظلوم, هنيئا لك بنصرك على ظالمك".  
علاء نبيل حسن

11-3-2016

Tuesday, March 8, 2016

في نقد البقرة المقدسة - مقال

في نقد البقرة المقدسة

هل سمعت عن البقرة المقدسة؟
يشتهر هذا التعبير عندما يكون هناك شخص أو كيان وصل لمكانة وسط مؤيديه بحيث إنهم لا يقبلون أي نقد يوجه له و لا يقبلون مجرد التشكيك فيه فلا يرون فيه أي سلبية أو نقيصة و يهاجمون من يبرز سلبياته, يتبعون بقرتهم المقدسة في كل مكان أينما توجههم يتبعونها. الأمر يشبه تقديس الأبقار في الهند التي يفسح لها الجميع الطرقات و يحرمون ذبحها و يعتبرون أي مساس بها نوعا من الكفر. و عندما تتحدث عن منطقتنا فما أكثر الأبقار المقدسة فيها. المشكلة أن كثير من الأبقار المقدسة تبدأ بشكل جيد تجتهد فتنجح فيجذب نجاحها العديد من المؤيدين الذين يمجدون فيها إلى درجة تعميها عن عيوبها فتبدأ في إرتكاب الأخطاء بل الجرائم و لأن التأييد يبلغ مراحل جنونية فلا أحد يرى تلك الاخطاء و الجرائم أو ينبه البقرة إليها فتمضي في غيها إلى أن تسقط في الهاوية هي و أتباعها.
المشكلة في تقديس الأشخاص على حساب الفكرة أو القضية أن هذا يضر بأي فكرة أو قضية فالشخص أو الكيان يخطئ و إذا أخطأ لابد أن يحاسب  و لكن لأن البعض إختصر القضية في شخص فلان أو علان فأنه يرفض تمام أي محاسبة له ظناً منه أنه يؤذي القضية في حين أن العكس هو الصحيح.
في هذا المقال أحاول أن أنقد البقرة المقدسة لعل الناس تفيق و تكف عن تقديس الأشخاص و الكيانات و تدرك أن أي شخص او كيان عرضة للصواب و الخطأ و بالتالي نشجعه في الصواب و نحاسبه على الخطأ و هذا في رأيي هو سبيل الخلاص, لذلك إخترت عدة شخصيات أرى أن أتباعها جعلوا منها أبقاراً مقدسة و نقدي لها لن يكون لإبراز سلبيات او إيجابيات و لكن سيكون محاولة لفتح النقاش الموضوعي حولها و نزع هالة القداسة عنها لعل و عسى. دعني أؤكد لك أن نقدي لتلك الشخصيات سيكون متحفظ جدا, فإذا أغضبك هذا النقد فربما يكون هذا دليل على ما أقوله و يكون الشخص الذي غضبت له هو بقرتك المقدسة.
حسن نصر الله:
في عيون محبيه هو بطل فوق العادة, مقاوم, قاهر إسرائيل و مذلها و مرعبها و بطل العرب و العروبة. هذه الصفات ربما كانت تنطبق عليه في وقت من الأوقات, وقت سطوع نجمه و قتاله لتحرير الجنوب اللبناني من إسرائيل و نجاحه في ذلك و لكن لم تعد تلك الحال الآن. حسن نصر الله تحول من بطل لبقرة مقدسة لا يمكن نقدها أو الاقتراب منها حتى, حسن نصر الله كشف عن وجه طائفي مقيت و وولاء ليس لوطنه لكن لإيران و مشروعها و أفسد الأمور في لبنان بشدة و يقترب من تدميرها تماماً (يشاركه في ذلك كل السياسيين اللبنانيين إحقاقاً للحق) و ارتكب جرائم حرب فادحة في سوريا و لا تقل لي إنه يحارب الإرهابيين و يدافع عن وحدة و استقلال سوريا, هو يدافع عن كرسي بشار و مصالح إيران, أنت فقط لا ترى ذلك لأنك تقدس البقرة فلا ترى مساوئها. حجة مقاومة الإرهاب حجة بائسة لا تبرر الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري, لا تبرر خطابه الطائفي المقيت, لا تبرر ولائه المعلن لإيران, لا تبرر تحويل حزب الله من رمز للمقاومة لرمز للاستبداد و العدوان و الكراهية. الطائفية هي أسوأ ما يهدد وطننا العربي و نصر الله هو أحد أبطال المشهد الطائفي بامتياز و المؤججين له بكل قوة.
لكن أنصاره لا يرون سوى بقرتهم المقدسة و لا يسمعون سوى خوارها, مهما واجهتهم بأخطائه و جرائمه فلا يمكنهم أن يقروا بها, بل في نظرهم نصر الله هو البطل و هو المقاوم و كل جرائمه مبررة بل هي ليست جرائم حتى. كل ما اتمناه أن يفيق أتباع البقرة المقدسة قبل أن يقودنا نصر الله و أمثاله إلى الهاوية إن لم نكن قد وقعنا فيها بالفعل.
محمد البرادعي:
البقرة الليبرالية المقدسة, الحقيقة أنا متردد قليلا من الكتابة عنه لأنه تعرض لحملات تشويه و اكاذيب كثيرة, لكن اخطاؤه و إصرار مؤيديه على تمجيده و تعظيمه و التغافل عما فعله يجعلونني أمضي قدما في نقده. هل سمعت من قبل عبارة "البرادعي سابقنا بسنين ضوئية" هذه العبارة التي تلخص نظرة مؤيديه له و لكن ماذا فعل هذا الشخص الذي يسبقنا بسنوات ضوئية؟
أولا دعنا نؤكد أن البرادعي كان له دور مهم جدا في إشعال ثورة يناير 2011 و لكن أيضاً كان له دور مهم في خذلانها, الرجل الذي يسبقنا بسنوات ضوئية لم يستطع أن يقرأ المشهد جيدا بعد التنحي, الرجل الذي أشعل الثورة لم يستطع أن يقودها و خذل الكثيرين من مؤيديه, لم يستطع الرجل ذو المكانة الدولية و العلاقات المتشعبة من وضع روشتة سليمة للإنتقال الديموقراطي, حتى عندما أنتظره انصاره كي يخوض معركة إنتخابات الرئاسة تراجع بشكل محبط لجميع انصاره. سيقول أنصاره لقد تمت محاربته محاربة شديدة كي لا يستطيع تقديم رؤيته, سيقول محبيه إن انسحابه لانه أدرك بذكائه انه لا فائدة, حسنا سأبتلع هذا رغم إنه خذل انصاره في مواقف كثيرة كان يفترض ان يكون موجودا بها و لكنه اختفى بشكل غريب, سأبتلع هذا رغم إنه بحجم أنصاره وقتها كان من الممكن أن يقودهم لمعركة تغيير حقيقية لقلب الطاولة على كل من أراد خنق الثورة لكنه لم يفعل, سأبتلعه لكن على مضض.
إذن انسحب البرادعي و لم يقد أنصاره لتحقيق حلم التغيير و مع ذلك ظل الكل يؤيده و يصدقه و يعتمد على رؤيته التي تسبقنا بسنين ضوئية, فماذا فعل البرادعي؟ انضم لجبهة الانقاذ التي تحاول أن تتصدى للإخوان, ليست مشكلة أنه حاول مجابهة الإخوان بل لعلها تحسب له و لكن ما يحسب عليه أنه كان يعرف كيف تدار الجبهة و من يشارك فيها بالفعل من رموز النظام السابق و مع ذلك لم ينسحب أو ينبه انصاره لتلك المشكلة, ليس هذا فحسب بل دعا دعوة صريحة لتدخل الجيش و عزل الإخوان و هي دعوة محسوبة عليه لأن رجل بمكانته كان لابد ان يعلم ماذا سيحدث بعد ذلك. تقولون زلة لسان و خطأ لماذا إذن شارك في ترتيبات 3-7 و ما بعدها برغم أن رجل بمعرفته لابد و أنه علم بالإتجاه الذي نذهب إليه, لماذا شارك في السلطة وقتها و أعطى إنطباعاً لأنصاره إن الامور على ما يرام و لن يحكم العسكر مرة أخرى, كان انصاره يثقون في رؤيته فاتخذ كل الطرق الخاطئة و ضلل أنصاره كثيرا. البرادعي أحد المسؤولين مسؤولية مباشرة عما وصلنا إليه و لكن أنصاره (القلة القليلة المتبقية) لازالوا غير مقتنعين أننا اصطدمنا بحائط سميك و صلب بسبب رؤيته التي تسبقنا بسنين ضوئية. لازال البرادعي البقرة المقدسة عند كثير من الليبراليين رغم أنه لا يفعل أي شيء, كان بإمكانه أن يقود النضال و لكنه لم يفعل و ترك مصر إلى منفاه الإختياري و صمت كثيرا. لا أعرف مدى قوة البرادعي الدولية أو مكانته, لكني أتصور أنه كان يمكن أن يفعل الكثير حتى من منفاه و لكنه لا يفعل أي شيء و لازال أنصاره يهللون له و يرفضون أن تمس بقرتهم المقدسة.
حازم صلاح أبو إسماعيل:
مجرد وجوده في قائمة الأبقار المقدسة سيغضب أنصاره بشدة و الحقيقة إن أنصار أبو إسماعيل ينقسمون لقسمين رئيسين: قسم الحالمين بزعيم إسلامي قوي و هم فئة عاقلة يمكن مناقشتهم و قسم المهاويس الذي لا يمكن خوض نقاش معهم حول شخص أبو إسماعيل بل ربما بالنسبة لهم فأبو إسماعيل أكثر بكثير من مجرد بقرة مقدسة. في رأيي الشخصي فإن أبو إسماعيل مغناطيس يجمع المهووسين حوله و يغذي هوسهم, و هو يفعل ذلك بوعي تام.
الحقيقة إن رأيي في أبو إسماعيل سلبي تماماً و رأي مؤيديه إيجابي تماماً وهو ما يصعِّب النقاش حوله فهم لا يمكنهم أبداً قبول أي نقد في حقه فهم يعتبرونه أسد الإسلام و مرعب العسكر و الرجل صاحب الرؤية الثاقبة الذي كشف مؤامرة العسكر قبل أن تتم برغم أنه لم يفعل أي شيء بإكتشافه هذا بل لعب بدون قصد دوره الذي ساهم في إكتمال مؤامرة العسكر. دوره ببساطة كان إثارة رعب غير الإسلاميين من الإسلاميين و دفعهم لطلب الغوث من العسكر, الإسلاميين كانوا فرحين برعب غير الإسلاميين من أبو إسماعيل و كانوا يحاولون تأجيج هذا الرعب ظنا منهم أن هذا في مصلحتهم فكانت النتيجة وبالاً عليهم, راديكالية حازم أعمت الكثير من مؤيديه و ظن الجميع أنه هو الفارس الذي سيستطيع تحقيق الحلم الإسلامي بدون أي تنازلات برغم أن تلك الراديكالية نفسها هي أحد أسباب رفض الكثيرين للمشروع الإسلامي برمته. لكن الراديكالية ليست هي فقط مشكلتي مع حازم, ففي رأيي الهالة الأسطورية حول شخص حازم صلاح أبو إسماعيل مختلقة تماماً, تعتمد فقط على الكاريزما الشخصية لحازم صلاح ابو إسماعيل و ثقته الشديدة في نفسه و هو يردد أكاذيبه الشخصية, نعم أكاذيب فحازم من اكثر الاشخاص التي تكذب بكل ثقة في وجه مستمعيها و هو يعلم أن انصاره سيصدقون أي شيء سيقوله مهما بلغ كذبه, جرأته على الكذب تدهشني و تصديق أنصاره المستمر له يصدمني. كم مرة باع حازم صلاح أبو إسماعيل أنصاره و تخلى عنهم بحجج واهية, كم مرة قام بتسخين أنصاره و الحالمين بالدولة الإسلامية و دفعهم للمواجهة و العنف و تسبب إما في حبسهم أو قتلهم أو إصابتهم على أقل تقدير ثم تنكّر لهم من بعدها, حتى أسطورة مواجهته للعسكر ليست دقيقة, فهو كان يهاجم في أحيان كثيرة و في أحيان اخرى يتراجع عما قاله تماماً كأي حنجوري. لكن أنصاره لا يرون هذا و لا يصدقونه و يؤمنون أن حازم سيكون منقذهم من حكم العسكر, لو كان كذلك لأنقذ نفسه أولاً. و لأن حازم بقرة مقدسة لها مهاويس كُثر سأشارككم هذا الفيديو الذي يلخص معظم سلبيات أبو إسماعيل رغم أنه لم يذكرها كلها, لعل بعض من أنصاره يفيقون.
https://www.youtube.com/watch?v=ZspdAumtuY8
جمال عبد الناصر:
و هل هناك بقرة مقدسة أكبر من جمال عبد الناصر؟! الرجل الذي لازال حاضرا بقوة في المعادلة السياسية حتى بعد وفاته بأكثر من 40 عام, الرجل الذي لازال له أتباع يتسمون باسمه و يتبنون مشروعه حتى بعد أن ثبت فشل هذا المشروع تماماً. بكل تأكيد عبد الناصر له إيجابيات لكن كما قلنا نحن لا نتحدث عن إيجابيات و سلبيات الشخصيات في هذه المقالة و لكن نتحدث عن حالة التقديس و التبجيل للشخصية التي تجعل أتباعه يبرزون كل الإيجابيات و يمجدونها و يُغفلون كل السلبيات و ينكرونها, حدثهم عن الاستبداد و القمع و السجون و التعذيب و القتل و دولة الخوف التي أنشأها جمال عبد الناصر فيحدثونك عن المصانع و المشروعات و القومية العربية التي دعا لها, حدثهم عن النكسة فيحدثونك عن المؤامرة الإمبريالية و محاولة كسر الإرادة و الاستقلال الوطني المتمثل في شخصه. حدثهم عن تغييب العقول و كبت حرية الفكر و الرأي فيحدثونك عن السد العالي, من الممكن أن نتحدث عن سلبيات ناصر لأيام و أيام و لكنهم لن يسمعوا شيئا و إن سمعوا لم يعوا و إن وعوا أنكروا بل و ربما اتهموك بالخيانة. عبد الناصر نجح ان يصنع لنفسه أسطورة و أتباعه نجحوا في أن يخلدوا هذه الأسطورة متغاضين عن كل جرائمه و أخطائه, لا يهمهم إستبداده و سلطويته بل يشجعون هذا الاستبداد و يتمنونه و هم في هذا الصدد يبدون كما لو كانوا قد نزعت منهم الكرامة و الانسانية في إنحطاط رهيب, إنهم يقدسون عبد الناصر و في سبيل ذلك يتخلون عن العديد من القيم التي تجعل من الانسان انساناً. أتباع عبد الناصر يعطون مفهوم البقرة المقدسة أبعاداً جديدة و يبدون كما لو كانوا حالة ميؤوس منها فمن غير المعقول أن نظل نقدس رجل مات من خمسين سنة و نحاول ان نطمس كل جرائمه و أخطائه التي قادت البلد للهاوية و لهزيمة تاريخية, متى نتعلم من التاريخ و متى يفيق هؤلاء المغيبون, هذه بقرة مقدسة كان من المفترض ان تموت منذ زمن سحيق لكنهم ظلوا يقدسونها فعجزنا عن التقدم للأمام و يبدو أننا سنظل عاجزين لفترة طويلة جدا.
رجب طيب أردوغان:
زعيم آخر و بقرة مقدسة إسلامية هذه المرة, ربما تبدو تركيا بعيدة عنا و لكن ربما لعوامل اتصال التاريخ و الجغرافيا يبدو أنهم أيضا لا يختلفون عنا كثيرا. الفكرة هاهنا أن البقرة المقدسة هذه المرة ليست قاصرة على أهل بلده بل تمتد خارج حدود الجغرافيا لتشمل العديد و العديد من الحالمين الذين أبهرتهم البقرة المقدسة التركية.
دعنا نؤكد هاهنا أن أردوغان زعيم ناجح, نجح في مواجهة الاستبداد العسكري و نقل تركيا نقلة مختلفة من الناحية الاقتصادية و السياسية و لكن (و آه من لكن) في خضم صعود نجم اردوغان بدأت تظهر آثار الكرسي عليه و بدأت التحولات السلبية. أنصار أردوغان ليسوا محصورين في تركيا بل ستجدهم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي لأنه نموذج ناجح للحكم الإسلامي حتى لو كان من خلف ستار علماني فهو يمثل حلم تحقق و بالتالي صاروا يعظمون من نجاحه و يمجدون أردوغان الشخص رغم أنه نتاج تاريخ طويل من الحراك السياسي التركي. هذا التمجيد المبالغ فيه واضح أنه كان له بالغ الأثر على أردوغان و بدأ يُظهر علامات المستبد شيئا فشيئا, يبدأ الامر بالتمجيد فيتصور الزعيم انه هو السؤال و الإجابة و كل شيء يدور من حوله فيبدأ بالانفراد بالحكم, فالرأي رأيه فقط. بالطبع أنصاره لايرون الاستبداد و لايرون السلبيات بل يرونه بطل عظيم و حامل أختام حلم الدولة الإسلامية و لكن للأسف فأردوغان حاليا أصابته لوثة الحكم, يتلاعب بالديموقراطية التي جاءت به و يريد ان يتلاعب بالدستور لتخليد زعامته, يقهر المعارضين و يقمعهم, يريد فقط الصوت الواحد و الرأي الواحد و الحزب الواحد, لو تحدثت عن كل تلك السلبيات سيحدثونك عن إنجازاته العظيمة في تركيا و إسهاماته في مساعدة اللاجئين السوريين, و هي إنجازات و إسهامات محمودة و لكن ماذا عن كل تلك السلبيات التي تتراكم,  ماذا عن كبت الحريات و مصادرة الصحف و مطاردة المعارضين, ماذا عن الجرائم التي ترتكب بحق الأكراد سيعاجلك مؤيدوه بأن منظمة البي كيه كيه منظمة إرهابية و ماذا إذن عن باقي الأكراد الذين دمرت منازلهم و قتلوا و شُرِّدوا, أو ليست تلك نفس حجج بشار و السيسي في جرائمهم ضد المدنيين, سيقولون ويحك و هل تقارن الزعيم العظيم بهؤلاء المجرمين و لن يقبلوا منك هذا الكلام فالبقرة المقدسة لا يمكن أن تخطئ و لا يأتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها و هي تسير في طريق التقدم و الازدهار كما يراها مؤيدوها و لكن الحقيقة أن هذا الطريق آخره هوة سحيقة فهل ينتبه أحد؟ لن يحدث فالبقرة المقدسة تعرف أكثر.
ختاماً, لم أكتب هذا المقال لمهاجمة شخصيات بعينها و لكن هي محاولة لفتح أعين مؤيديهم على سلبياتهم و اخطائهم و ضرورة ان يستبدلوا نظرة التقديس بنظرة إلى بشر يصيب و يخطئ, نؤيده إن أصاب و نقومه إن أخطأ, لدينا أبقار كثيرة مقدسة, سواء كانت أبقار تاريخية أو أبقار معاصرة و  نحتاج أن نتخلص من كل تلك الأبقار المقدسة و إلا فهو الهلاك لنا جميعا و الله أعلى و أعلم.
علاء نبيل

8-3-2016

Friday, March 4, 2016

خواطر حول التطور - مقال

خواطر حول التطور
مقدمة:
نتحدث اليوم عن أكثر نظرية علمية مثيرة للجدل في العصر الحديث....نتحدث عن نظرية التطور.
الجدل هنا ليس بسبب الطرح العلمي للنظرية و لكن بسبب مآلاتها الفلسفية و الدينية, و الحقيقة أنني - و بسبب معرفتي السطحية للنظرية – لم أكن مهتماً من قبل بهذا الجدل و كنت أتصور أن الأمر ليس مهماً أو أنه لا يعنيني إلى أن وجدت بعضاً من أصدقائي و معارفي ممن تعرضوا للنظرية مؤخرا و قد أصابتهم هزة في قناعاتهم الدينية و اتجه البعض للإلحاد بعدما زرعت تلك النظرية البذرة الأولى للشك في نفسه. بالنسبة لي ليس لدي نفس الشكوك أو الهزة الإيمانية و لكني أعترف أنني أجد طبيعتيْن تتنازعان بداخلي عند الحديث عن نظرية التطور, فمن جهة هناك الطبيعة العقلانية المؤمنة بالمنهج العلمي كطريق أساسي للوصول للحقيقة, و هناك الطبيعة المتدينة المؤمنة بالدين الإسلامي و بوجود الله, لهذا أحاول دوما عند الحديث عن التطور التوفيق بين الطبيعتيْن.
علماء الدين و المتدينين عامة يتعاملون عادة مع تلك النظرية بسطحية و جهل شديدين بالنظرية و يعادون بشدة كل من يطرحها و يحاولون منع تدريسها أو مناقشتها و هم لا يدركون أنهم بذلك يعرضون الكثير من الناس لتلك الهزة الإيمانية عند أول تعرض لهذه النظرية لأنهم يكتشفون ببساطة أن معظم ما تلقونه من معلومات من رجال الدين حول هذه النظرية غير صحيح و أن الأساس العلمي لهذه النظرية ليس ضعيفا كما يروجون.
لا أدعي هنا أني عليم بالنظرية, أو أنني سأستطيع التوفيق فلسفياً بينها و بين الأديان أو أنني سأستطيع الانتصار لإحدى الرؤيتين (العلمية أو الدينية), و لكني أطرح الأمر للتفكير الحر الموضوعي و العلمي حول النظرية و مدى رقيها لمرتبة الحقيقة العلمية من عدمه و علاقتها بالدين, و في رأيي الحوار حول هذه النظرية أفضل كثيراً من المنع الذي يشف دوما عن ضعف الحجة و البرهان.
مبدئياً و قبل الحديث عن النظرية أحتاج إلى طرح بعض القواعد التي لابد أن تكون موجودة عند أي نقاش يتعلق بنظرية التطور خاصة و الموضوعات العلمية عامة: 
العلم لا يعترف إلا بالتجرد 
... فبكل تأكيد أحد أهم مقومات العلم هو التجرد من الإنحيازات المسبقة, فحتى و إن وجدت هذه الإنحيازات, فالنتائج وحدها هي الحاكم فالعالم يُخْضِع نظرياته و إنحيازاته للنتائج و الحقائق و ليس العكس, أي أن العالم لو وجد النتائج تختلف عن النظرية التي وضعها فإنه لا يجد حرجا من الإعتراف بالخطأ و تصحيح نظريته لتناسب النتائج فالتجرد مهم جدا للتفريق بين الفرضية و الحقيقة عند التعامل مع الامور العلمية.
 العلم لا يدحض إلا بالعلم
...هذه أيضا نقطة شديدة الأهمية فلا يمكنك مثلاً أن تدحض أو تنقد النتائج العلمية ببيت من الشعر أو بنظرية فلسفية, بل لابد أن يكون هذا النقد مبني على أسس علمية سليمة و هدفه الوصول للحقيقة و ليس فرض نظرية معينة. واحد من اهم الأسس للبحث العلمي  الحديث هو مدى صمود البحث أمام النقد شريطة أن يكون هذا النقد علمياً.
لا يمكن إثبات وجود أو عدم وجود الله بالعلم
... العقل قد يستطيع ذلك بالمنطق و الجدل و الحجة بل و أحياناً كثيرة من خلال الأدلة العلمية فيؤمن المرء بعد ذلك أو يلحد أما العلم بذاته فلا يستطيع ذلك بتاتاً. هذه مسألة منطقية تماماً, فالعلم أساسه القياس و التجربة والله – سبحانه و تعالى – بكمال صفاته لا يمكن قياسه أو تجربته فلا توجد وسيلة علمية للقياس و كيف ذلك و قد وسع كرسيه وحده السماوات و الأرض و ما فيهما فعلى أي شئ نقيس؟ و لو وُجِدت وسيلة للقياس لفقد صفة الكمال الواجبة للألوهية كما أن العلم محدود بالقواعد و القوانين التي يسير عليها الكون فكيف يستطيع أن يدرك خالق هذه القواعد و القوانين. مشكلة المتجادلين حول التطور أنهم يحاولون إثبات وجود أو عدم وجود الله من خلال النظرية و هو تحميل لنظرية محايدة ما لا تحتمل مما يجعل الكثير من الجدل حول النظرية يدخل في إطار السفسطة.
أسعى في هذا المقال لطرح بعض الخواطر حول هذه النظرية محاولاً توضيح بعض النقاط المهمة التي تختلط عند البعض و محاولاً فهم العلاقة بين هذه النظرية العلمية و بين الدين و إزالة أي خلط غير ضروري بينهما أو هكذا أظن.

عن التطور:
دعنا نبدأ بأن نحاول أن نوضح حجم و أهمية تلك النظرية, فعلى عكس ما يروج له البعض فالتطور يعتبر من أهم النظريات العلمية بل و يجوز إعتباره النظرية الأهم في العلوم على الإطلاق. التطور يتأثر و يؤثر بالعديد من المجالات و يعتبر حاليا هو العمود الفقري لعلم الأحياء, و لكن للأسف فالجدل الديني حوله يؤدي لرفض الكثيرين له أو وضع تصور خاطئ أن النظرية غير مؤكدة علميا, دعني أؤكد لك أن هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق.
هناك الكثير من المغالطات حول النظرية و التي يروج لها البعض كأنها حقائق فمثلا نقطة الجدل الأكبر و هي أصل الانسان من اكبر المغالطات الموجودة حول النظرية فأغلب الناس متأكدة أن نظرية التطور تقول أن الانسان أصله قرد و في الواقع النظرية لا تقول ذلك بل تقول إن الانسان و القردة العليا (الغوريلا, الشمبانزي, الأورانج أوتان,..) لهم سلف مشترك و الفرق بين الجملتين كبير جدا من الناحية العلمية, ربما لا يبدو كذلك بالنسبة لبعض الناس و لكن الحقيقة الفرق كبير, فمن الناحية التطورية هذا يعني أن الانسان لا ينحدر من القردة و لكن القردة العليا و الانسان ينحدرون من نفس الأصل.
من المغالطات أيضا ان البعض يتصور أن التطور هو نوع من التحول من نوع إلى آخر كظاهرة الانسلاخ التي نراها في دورة الحياة لبعض الكائنات الحية كالفراشة التي تنسلخ من الدودة أو كالضفدع ينسلخ من الشرغوف. لهذا تجد تساؤلات لماذا لا نرى كائنا حيا يلد كائنا من نوع آخر أو لماذا لا نرى مثلا بطة برأس قطة كدليل على التطور وهذه التصورات أو الأسئلة ساذجة جدا و لا علاقة لها بنظرية التطور التي تدرس التغير "التدريجي" للكائنات الحية عبر مدى طويل من الزمان قد يبلغ آلاف أو ملايين السنين بحيث يؤدي التغير على مدى الأجيال إلى نشوء أنواع مختلفة تماما عن الأصل.
دعنا نبدأ القصة من البداية, يتصور البعض أن التطور يبدأ من عند داروين (و هذه مغالطة أخرى), بالتأكيد سمعت بعض الأقاويل التي تردد إن داروين يهودي (هو ليس كذلك) و أنه متآمر على الدين يريد هدمه (ليس صحيحا), الحقيقة إن فكرة التطور تبدأ قبل ذلك بكثير. يمكنك أن تجد تلميحات فكرية عن التطور في بعض ما وصل إلينا من الحضارات اليونانية و الرومانية القديمة, بل إن مقدمة ابن خلدون الشهيرة فيها فقرة تدل بوضوح على قناعته بفكرة التطور, في العصور الحديثة كان هناك بعض العلماء مثل لامارك الذين وضعوا افتراضات لكيفية حدوث التطور... و لكن ما هو التطور أصلا و ما هي دلالته؟
لاحظ علماء الأحياء من مختلف المجالات ملاحظتين هامتين و هي أن هناك علاقة تربط بين جميع الكائنات الحية بعضها ببعض و أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية وفقا لهذه العلاقات (عندما تقول إن الأسد من نفس عائلة القطة فأنت تتكلم عن التطور)  و الملاحظة الثانية كانت أن هناك تغير واضح يحدث في الكائنات الحية من جيل لجيل وهذا يمكن إدراكه من خلال دراسة الحفريات (مثال: سلف الزرافة كان لديه رقبة أقصر بكثير من رقبة الزرافة الحالية), و العلماء ظلوا زمنا طويلا يحاولون تفسير هذه العلاقة و هذا التغير من خلال نظريات مختلفة و لكن لم تكن كلها كافية لتفسير هذه الظاهرة إلى أن أتى داروين...
داروين من خلال أبحاثه التي استهلكت وقت طويل من عمره و من خلال رحلته على السفينة "بيجل" التي دار من خلالها حول العالم يفحص الكائنات الحية إلى أن استقر على جزر الجالاباجوس استطاع تقديم تفسير مقنع جدا لطبيعة هذه العلاقة و كيفية حدوث هذا التغير. داروين لاحظ و هو يدرس الكائنات الحية على الجزر المنعزلة أن جميع الكائنات الحية متكيفة مع الطبيعة الخاصة بكل جزيرة منعزلة و أن هناك تغيرات شكلية في النوع الواحد حسب طبيعة الجزيرة...ماذا يعني هذا؟
استخلص داروين من ملاحظاته و من خلال تطرقه لبعض العلوم مثل الاقتصاد و الجيولوجيا و الحفريات نظريته الشهيرة "التطور بالانتخاب الطبيعي" و فيه يخلص للتالي:
-  في الطبيعة هناك ندرة للموارد مما يؤدي لصراع عليها (صراع من أجل البقاء)
- في هذا الصراع البقاء للأصلح (للأنسب)
- جميع الكائنات تعود إلى أصل واحد مشترك
باختصار, وصل داروين لاستنتاج مهم جدا هو أن التغير في الكائنات الحية يحدث عبر الأجيال وفقا لملائمة الكائن الحي للظروف الطبيعية حوله, بمعنى انه لو كان لدينا كائنات بألوان لا تتناسب و الطبيعة حولها فإنها تكون أكثر عرض للإفتراس عن كائنات من نفس النوع لديها ألوان تتوافق مع الطبيعة حولها مما يتيح للأخيرة التكاثر و بقاء نوعها مما يؤدي في النهاية لتغير في النوع وفقا لطبيعة المكان عبر السنين. بهذا يكون داروين قد قام بعمل عظيم فعلا و هو أنه نزع الصدفة من فكرة التطور و جعلها تحدث وفق قواعد علمية يمكن قياسها و التجربة عليها و هذه بالفعل كانت ثورة علمية.
حتى لا أطيل عليكم يمكنكم معرفة الكثير عن التطور, الانتخاب الطبيعي, أدلة التطور و أهميته للحياة من خلال الفيديوهات القصيرة التالية:
هناك ادلة كثيرة على التطور و تتضافر في ذلك مجالات علمية كثيرة فمثلا عندما وضع داروين نظريته لم يكن الحمض النووي قد اكتشف بعد و كان علم الوراثة يخطو خطواته الأولى و مع ذلك فالتقدم في هذين المجالين وافق ما جاء في نظرية داروين, كذلك في علوم الأنسجة و التشريح و وظائف الأعضاء و الكيمياء الحيوية و علم الأجنة كل المعلومات من مختلف المجالات صبت في مصلحة النظرية. حتى الجيولوجيا التي من خلالها استطعنا تحديد عمر الحفريات و زمان وجودها من خلال الطبقة الموجودة فيها الحفرية صبت في صالح التطور, فلا تجد مثلا حفرية تسبق حفرية أو في طبقة غير مفترض أن تتواجد فيها. أيضاً هناك تطبيقات عديدة للنظرية في الطب و علوم الأحياء المختلفة بجانب أبحاث يمكن من خلالها مشاهدة التطور بشكل معملي أو في الطبيعة, هناك أيضا الانتخاب الصناعي الذي يعرفه كل مربي للخيول مثلا حيث يتم انتقاء الخيول ذات الصفات الأفضل لكي تتكاثر و يتم إنتاج سلالات جديدة قوية, كل هذا يؤكد صحة النظرية بما لا يدع مجالا للشك.
الحقيقة أن المعلومات المتراكمة على مدار أكثر من مائة عام من بعد وضع داروين لنظريته صبت في مصلحة التطور بشدة و هو ما يدل على قوة المنهج العلمي لداروين, صحيح أن هناك ما تغير في النظرية وفقا لتراكم العلم و لكن الجوهر ظل ثابتا و صامدا يتم البناء عليه مع إزدياد المعارف.
كل هذا جميل..لماذا إذن يرفض الكثير من المتدينين هذه النظرية و يحاربونها؟

التطور و الأديان:
نظرية التطور في جوهرها نظرية محايدة و متجردة لا علاقة لها بالدين أو بإثبات وجود الله, لكن للأسف فإنها تصطدم مع بعض النصوص و الروايات الدينية إصطداما شديدا يجعلنا أمام فريقين رئيسيين أحدهما مؤيد للعلم و يرى الرواية او النص الديني على خطأ (مما يؤدي لرفضه الدين ككل)  و الطرف الثاني مؤيد للدين و بالتالي يرفض العلم و كل ما تقدم من أدلة. هذا يضعنا أمام السؤال الصعب: هل يمكن أن تكون مؤمناً بالدين و مصدقاً لنظرية التطور في نفس الوقت؟
دعنا أولاً نفصِّل أوجه التعارض بين الدين و نظرية التطور, مبدأياً فإن هناك فرق بين الدين الإسلامي و المسيحي فيما يتعلق بنظرية التطور, فبينما تشترك الدياناتان في رفض مما ذهبت إليه النظرية حول أصل الانسان فإن مناطق الخلاف بين المسيحية والتطور أكثر بكثير من مناطق الإختلاف بين الإسلام و التطور..كيف؟
بجانب أصل الانسان فإن المسيحية تختلف مع التطور في كل شيء تقريبا, فسفر التكوين يضع تصورا مختلفاً تماماً عن نشأة الحياة, ففيه خلق كل كائن على حدة مما يناقض فرضية التغيير و الأصل الواحد لكل الكائنات الحية و التي لا يوجد خلاف علمي كبير حولها, أيضا هناك في المسيحية ما ينص على أن عمر الأرض ستة آلاف عام و هي فترة غير كافية لحدوث التطور و لكن العلم الحديث أثبت أن عمر الأرض 4,5 بليون عام و هو فرق شاسع جدا و لكنه يتماشي مع حدوث التطور بل في الواقع لا يمكن للتطور أن يكون قد حدث إلا بفترة زمنية ضخمة مثل هذه. بينما في الإسلام ببساطة معظم هذه التفصيلات غير موجودة و بالتالي فلا محل للخلاف حول كيفية الخلق او عمر الأرض أو غيرها, بل إن هناك آية في القرآن كلما تأملتها تتبادر إلى ذهني نظرية التطور او على الأقل الجزء الخاص بالأصل الواحد للكائنات الحية:
"وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"  - سورة: النور آية:45
لا أدعي هنا أن الآية تروج للتطور أو تشير إليه و لكن فقط هذا شعوري كلما تأملت الآية خصوصا الإشارة أن أصل الخلق الماء و هو ما ذهب إليه بعض العلماء في تصورهم لكيفية بدء الحياة على الأرض. لكن لا يعني هذا أن الإسلام يتفق مع التطور فهو كالمسيحية يختلف معه في الجزئية الأهم و الرئيسية, أصل الانسان. كما تقدم فقصة خلق الانسان المذكورة بوضوح في الأديان السماوية الثلاثة تختلف جذريا عما تذهب إليه نظرية التطور في تحديد اصل الانسان التي تجعل الانسان جزء لا يتجزا من ظاهرة الحياة على كوكب الأرض و تطور كما تطورت باقي الكائنات الحية و ليس كما تقول الاديان أنه تم خلقه خلق خاص من طين و هو ليس كباقي الكائنات الحية بل له مكانة خاصة.
 المواجهة بين الدين و التطور إتخذت أشكال عديدة و ما بين الرفض و المنع في أحيان عديدة كانت هناك محاولات دائمة لاستبدال نظرية التطور بنظريات أخرى متوافقة مع الدين, خصوصا الديانة المسيحية. أولى هذه النظريات كانت نظرية الخلق, و هي بالضبط كما جاءت في الدين, كل الكائنات خلقت كما هي و لم تتغير, بالطبع لم تصمد أمام الأدلة العلمية الكاسحة القائلة بالتغيير في الكائنات الحية عبر الأجيال. ثم جائت فكرة تحاول او توفق بين الخلق الخاص و بين التغير و فيها أن جميع الكائنات تفنى في كوارث متعددة ثم تستبدل بكائنات جديدة و أيضا هذه الفكرة لم تصمد لأنه لا يوجد دليل علمي واحد على حدوث تلك الكوارث الكبرى المتعددة. هذه الأفكار لم تكن علمية رغم محاولات وضعها في إطار النظرية و لم تصمد كثيرا أمام العلم و لكن جاء في العصر الحديث من يروج لنظرية جديدة و هي نظرية التصميم الذكي, هذه النظرية مهمة و هناك بالفعل من يحاول جاهدا إستبدال نظرية التطور بها و فيها أن هناك صانع ذكي (لم يذكر الله صراحة لأنه لن يستطيع إثبات وجوده علميا) وضع لبنة الحياة الاولى و تركها لتتكيف مع الطبيعة مع تدخلات بسيطة, و لب هذه النظرية فكرة بسيطة جدا  و هي أن هناك تعقيدات في الكائنات الحية غير قابلة للإختزال مثل العين و بعض البروتينات و أن هذا دليل على وجود الصانع. بالطبع هذه النظرية تتوافق فلسفيا و فكرة أنه لابد من وجود خالق لهذا الكون فلا يمكن أن يكون هذا النظام الدقيق الذي يسير عليه كل شيء في الكون عشوائيا أو وليد الصدفة. شخصيا أؤمن بهذا و أنا أميل بالفعل لنظرية التصميم الذكي بل إنني أدعي أني وصلت لنفس هذه الفكرة باستخدام عقلي المجرد و قبل أن أعرف  هناك نظرية تقول هذا.
لكن هناك نقطة شديدة الأهمية أن نظرية التصميم الذكي ليست نظرية علمية حقيقية, لا يوجد دليل علمي واحد عليها أو أوراق بحثية لها مصداقيتها تؤيدها, بل حتى إن الفكرة اللطيفة القائلة بالتعقيد الغير قابل للإختزال لا يوجد عليها دليل علمي واحد بل العكس هو الصحيح فكل تعقيد قابل للإختزال و يمكن إثبات هذا. التصميم الذكي لا يعدو أكثر من كونه فكرة فلسفية دينية أنيقة لكنها لا يمكن أن تقترب بأي حال من الأحوال من منافسة نظرية التطور على الأقل ليس بعد.
نعود للسؤال الصعب الذي سألناه: هل يمكن أن تصدق نظرية التطور و تكون مؤمنا بالدين في نفس الوقت؟
الحقيقة إن هذا ليس مستبعدا, فبرغم  إن نظرية التطور علم قوي لا يمكن تكذيبه اللهم إلا إذا استطاع أحد العباقرة إيجاد نظرية بديلة لها و جعلها حالة خاصة كما فعلت النسبية العامة مع جاذبية نيوتن, فكما قلنا من قبل نظرية التطور لا يمكنها إثبات وجود او عدم وجود الله, بل لا يمكنها أن تخبرنا كيف نشأت الحياة. هي تخبرنا فقط كيف تطورت, صحيح أن هناك تجارب عديدة تحاول خلق المكونات الأولى للحياة من عناصر كيميائية أولية و في ظروف تشبه الظروف الأولية للكرة الأرضية فإن العلم حتى الآن عجز عن خلق حياة من لا حياة برغم أن هناك نظريات جيدة تحاول تفسير كيف يمكن لهذا أن يحدث.
ما أود قوله أنه و برغم كل ما وصلنا له لازال هناك فجوات في نظرية التطور يحاول العلماء كل يوم سدها بأبحاث جديدة, و لازال هناك جدل بين العلماء حول بعض آليات التطور مما يفتح الباب في المستقبل كي تتغير معارفنا و وجهات نظرنا حول التطور. أما إذا تحدثنا عن الدين فبرغم وضوح النص إلا أن هناك دوماً إختلافات في التفسير. سأتكلم عن الإسلام لأنه ديني, قصة سيدنا آدم في القرآن واضحة و مع ذلك هناك إختلافات حول كون الجنة التي كان فيها سيدنا آدم هي جنة على الأرض أم جنة المأوى و هذا مثال لتفاسير مختلفة لنفس النص حول قصة الخلق. أيضاً هناك محاولة لدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم: قصة الخليقة بين الأسطورة و الحقيقة" يحاول أن يفرق فيها بين كون سيدنا آدم أبو البشر و بين كونه أبو الانسانية في محاولة للتوفيق بين العلم و الدين و برغم إنها محاولة بدائية أو ساذجة بعض الشيء و برغم إن هناك من قام بتكفيره على هذه المحاولة إلا أننا قد نلجأ إليها عندما تضيق السبل بنا. إذن الصراع ليس محسوما تماماً برغم كل شيء و لازال هناك إمكانية لأن يتغير تفكيرنا في المستقبل سواء من ناحية العلم او الدين, في رأيي ما سيحسم الأمر هو العلم و المزيد من العلم, العلم فقط هو ما يمكنه من سبر أغوار تلك المعضلة و وضعنا على الطريق الرئيسي للحقيقة الساطعة.
  نظرية التطور ليست مؤامرة على الدين, صحيح أن هناك صراع بينهما الآن, لكن تبقى النظرية محايدة و متجردة, الفكرة هنا أني لا أتصور منتصر في هذا الصراع و يبدو أنه سيكون صراع أبدي. فالدين لديه وسائله في البقاء, المسيحية لم تنتهي عندما ثبتت كروية الأرض و دورانها حول الشمس و الأديان لن تنتهي بسبب نظرية التطور, ستجد دائماً وسيلة للبقاء, في رأيي المستقبل فقط هو من يمكنه أن يخبرنا كيف سينتهي الأمر و لعلنا نشهد في حياتنا حسما لهذا الصراع مع كل التطورات المذهلة في العلم.
علاء نبيل
4-3-2016

Table 1 جدول بالمترادفات الانجليزية لبعض المصطلحات العربية الواردة بالمقال
التطور
Evolution
الانسلاخ
Metamorphosis
شرغوف
Tadpole
بيجل
The beagle
الانتخاب الطبيعي
Natural selection
الانتخاب الصناعي
Artificial selection
سفر التكوين
Book of genesis
نظرية الخلق
Creationism
التصميم الذكي
Intelligent design
التعقيد الغير قابل للإختزال
Irreducible complexity