إنفجار
"بلا عمل...بلا مستقبل..بلا أمل..بلا
حياة"
هكذا تمتم أمام المرآة كعادته كل صباح, كأنه
يذكر نفس بحاله الذي لا يستطيع أبداً أن ينساه, هل يبكي نفسه أم أنه قد صار امراً
طبيعياً بالنسبة له أن يجلد ذاته يوميا بسياط الذكريات المؤلمة؟, ربما لن يعرف
أبداً.
كان اليوم مميزاً بالنسبة له على العكس من
الرتابة المعتادة للأيام التي تمر عليه في الفترة الأخيرة, لذلك فقد اهتَّم بنفسه
على غير العادة, حلق لحيته التي أهملها لفترة طويلة, ارتدى ملابس نظيفة ووضع بعضاً
من مزيل العرق الذي لم يستعمله منذ اشتراه و استعد للخروج.
"أنت هتخرج؟"
هكذا نادته أمه بفرح شديد و هي تراه قد تأهب
للخروج, أجابها بنعم فتهللت أساريرها و دعت له بالتوفيق و السعادة و أن يكشف الله
عنه الغمة. "كم هي عظيمة" تمتم لنفسه, لم يكن يصدق أن مجرد خروجه من
المنزل قد يجلب لها كل هذه السعادة, شعر بالخجل من نفسه لانه قد سبب لها تعاسة
مستديمة بحاله هذا و تمنى من الله لو أنه يخرج من حالته البائسة فقط لكي يسعدها.
"أكرم بيه, إزَّيك؟ مشفتكش من فترة
طويلة"
هكذا ناداه بواب العمارة, لم يجد رداً
مناسباً عليه سوى بعض الهمهمات و الكثير من "الحمد لله بخير" و بعض من "كان
لدي مشغوليات", لكنه لم يكن يعرف من يخدع, هل يخدع البواب أم يخدع نفسه؟. كان
قد مرة بفترة من الفترات التي ينغلق فيها على نفسه و يعتزل العالم تماماً فلا يكلم
أحداً أو يخرج من غرفته و هو امر قد صار عادةً له في الفترة الأخيرة لدرجة أن أهله
قد فقدوا الأمل فيه تماماً. لم يكن دوماً انطوائياً بهذا الشكل, بل كان لطيف
المعشر منفتحاً على الجميع يحبهم و يحبونه و لكن كل هذا قد تغير, كيف تغير إلى هذا
الحد؟, لم يعد ذلك مهماً بالنسبة له.
انطلق مسرعا إلى وجهته بلا حماس و لكن مع
إصرار شديد على الذهاب, كان اليوم مهم بالنسبة له ربما أيضاً بالنسبة لكثيرين لا
يعرفهم فاليوم هو يوم ذكرى ثورة يناير و قد قرر ان يذهب ليجتر ذكرياته في الميدان
الذي شهد كل شيء....ميدان التحرير. كان يسير في طريقه فيتذكر ذلك اليوم الذي غير
حياته كلها, لم يكن لأكرم نشاط سياسي لا قبل الثورة و لا بعدها, لم يكن يهتم
حقيقةً بمن يحكم أو بالعملية السياسية برمتها و لكنه نزل فور أن علم بالأمر, لم
يكن الامر سياسياً و لكنه نزل بحثاً عن الأمل الذي فقده قبل الثورة, الأمل في
التغيير, الأمل في المستقبل, كان هذا هو جلَّ ما يبحث عنه في الثورة و قد وجده في
وقت كان يظن فيه ان كل أمل قد فقد.
الميدان...لازال هذا الميدان قادرا على بعث
الروح بداخله, صحيح أن الذكرى مؤلمة, صحيح أن المعالم قد تغيرت لكن كان هناك شيء
قد تغير فيه عندما دخله وقت الثورة, شيء اكتسبه لا يريد أن يفقده أبداً. الميدان
لم يعد كالميدان, ذلك "الخازوق" القبيح صار يتوسطه, يحمل علم مصر, ذلك
العلم الذي كانت رفرفته تجعل قلبه يختلج من الفرحة و الفخرأما الآن فقد صار مجرد قطعة
قماش لا قيمة لها في نظره, كيف تغيرت الامور لتلك الدرجة؟ لا يصدق حتى الآن ما آلت
إليه الأمور. كانت هزيمة الثورة و انتزاع الأمل منه بعدما عثر عليه أخيرا هو أقسي
ما حدث له, لم يعد بعدها كما كان, كان يشعر بالمسؤولية رغم أنه لم يشارك في
السياسة قط, يقول لنفسه ربما لو كنت شاركت, ربما لو كنت أكثر قوة و أكثر نشاطا,
لكن "لو" لم تغير الأمور قط, برغم ذلك كان دائما ما يؤنب نفسه فقد كان
النصر قريباً جداً و ضاع بسهولة عجيبة. كان يتأمل الميدان, اليوم يوم الذكرى فما
بال الناس لا يلقون له بالا, هنا كانت جحافل الناس تطالب بالأمل, تطالب بالتغيير
فأين ذهبوا و من هم هؤلاء الناس الذين يجولون في الميدان فلا تهزهم الذكريات التي
تقبع بكل جزء في الميدان. أين المشكلة؟ كيف ضاع حق الشهداء بهذه السهولة؟ كل تلك
الأسئلة كانت تثير جنونه و تزيد من أحزانه.
بشكل ما كانت حياته تشبه بالثورة, عندما قامت
الثورة كانت لديه حماسة و رغبة عارمة و طموح لا حدود له, كاد أن يمسك النجوم بيديه
و عندما انهزمت الثورة انهزم معها و فقد كل رغبة في الحياة, كل شيء بدأ عنده و
انتهى مع الثورة....
"أنت بتعمل هنا إيه؟, بطاقتك"
قاطع
الصوت الأجش حبل أفكاره, التفت ليجد ضابطا تبدو على ملامحه القسوة يخاطبه, ارتبك
قليلاً فهو لم يكن يريد أي مشاكل و بالتأكيد ليس مع الشرطة, كان قد تعود على المشي
بداخل الحائط كما يقولون, أبوه مريض و أمه مكافحة و لا يريد ان يتسبب لهما بأذى
فيكفيه ماسببه لهما بالفعل.
" يا فندم أنا قاعد عادي كنت برتاح شوية
من المشوار"
كان يتجنب النظر إلى عينيه كما يفعلون مع
الوحوش الكاسرة, لم يكن يريد أن يشعره بأي نوع من التحدي, كان يعرف أنه سيشم رائحة
الخوف لديه و لكنه كان يخشى أيضاً أن يشم رائحة الغضب و الاشمئزاز منه.
"أنت هتتلامض, القعدة هنا ممنوعة"
في
خفوت رد عليه, " اتمنعت إمتى؟, أول مرة أسمع عن الموضوع ده"
رد عليه بنفاد صبر, "أنت مش عارف
النهاردة إيه, ممنوع الجلوس هنا"
كان يعرف بالضبط طبيعة اليوم, لكنه لم يرد
الجدال معه, لم يكن يريد التصادم لكن الحقيقة أن مشاعره كانت مختلطة في هذه
اللحظة, فهناك الخوف من التعرض للأذى و هناك الغضب و هناك الإحباط, هذه مشاعر ليست
وليدة اللحظة و لكنها تتراكم بداخله منذ سنوات, كان يتمنى لو أنه يمتلك الشجاعة فيرد
عليه و يخبره برأيه فيه و في نظامه, لكنه كان يخشى من العواقب لهذا كتم في نفسه كل
تلك المشاعر التي تشتعل في نفسه في اللحظة الحالية و تمتم بخفوت و هو يتناول
بطاقته من الضابط, " انا آسف جدا, سأرحل الآن".
ابتسم الضابط في زهو و انتصار, التفت إلى
مساعد له و هو يقول, " بلاوي و بتتحدَّف علينا"
أومأ
مساعده في إيجاب, " كله من الثورة هي اللي خلت الشباب التافه ده يفتكر إن
الميدان بتاع أبوه"
بغضب عاجله الضابط, " متجيبش سيرة
البتاعة ديه, خلت شوية العبيد دول يتملعنوا على أسيادهم, يلَّا أهي راحت في
داهية"
هنا لم يتمالك اكرم أعصابه و التفت للضابط و
أشار له إشارة بذيئة بإصبعه و هو يقول بصوت هادر حمل كل غضبه و غيظه و إحباطه, "ثورة
يناير ديه خلتك تجري في الشوارع باللباس يا باشا".
لم يدرِ بنفسه بعدها إلا و هو ملقى و مقيد في
أرضية "البوكس" و قد تم ضربه بقسوة و غلٍ شديدين, كان يدرك أن مصيره
أسود و لكن لسبب ما كان يشعر بالرضا عن نفسه لأول مرة منذ سنوات عديدة.
علاء نبيل
3-10-2015