"عندما تغرب شمس الطفولة ويستوحش ليل الغدر ساعتها
تذكروا أسماء"
لكل عصر شهيد, لكل مذبحة رمز, من عشرات و مئات الوجوه القتلى و بين صرخات الأصدقاء و الأهل هناك ذلك الوجه المبتسم الذي تحكي ابتسامته قصة حياة هي أقرب للأسطورة كانت نهايتها هي الشهادة في مواجهة الظلم و الطغيان. أنت تعرف هذه الأسماء جيدا, حفظتها و شاهدت وجوهها البريئة عشرات المرات و لكن موقفك منها ليس دائما إيجابيا, احيانا تتسائل ما الذي ذهب بهم إلى هناك؟ احيانا تصرخ, إنهم يريدون الموت لإحراج الطغاة, تبا لهم...يسمعون صراخك فيردون عليها بابتسامة تبعث الحياة في الأنفس الميتة.
أردت ان أكتب عن
“محمد محمود” لإقتراب ذكراها, ثم تذكرت كل المذابح السابقة و اللاحقة, و لاحقتني
الوجوه المبتسمة للشهداء, عن من أكتب اليوم؟ عن كريم بنونة و رفاقه, ام عن مينا
دانيال و شجاعته, ربما عن ضحايا “محمد محمود” الأولى, او عن عماد عفت و علاء عبد
الهادي, ربما عن ضحايا الالتراس, كلا سأكتب عن جيكا و الجندي و كريستي و الشافعي و
الحسيني أبو ضيف,امم, ربما سأكتب اليوم عن شريف جمال صيام. كل رمز منهم ارتبط
بمذبحة, يذكرنا بها, و نتذكر معه ضعفنا الانساني و عجزنا ان ننقذه, نأتي له بحقه,
او على الأقل نموت معه.
لم أشارك ب”محمد محمود” في أي من نسخها,لم أشارك في مجلس
الوزراء, لم أشارك في رابعة, لم أشارك في أي اشتباكات أو معارك قط, ليس هذا تعبيرا
عن موقفي السياسي و ليس تعبيرا عن جبني, بل هو تعبير عن العجز. أنا أيدت الثورة و
نزلت وقت أن نزل الناس, لكني لم أشارك في أي اشتباكات, لا أعرف حتى كيف أخوض إحداها,
أؤيد الثورة بشدة و لكني لا أدعي اني ثوري أو ناشط او سياسي,و مع ذلك فأنا أكتب
اليوم بكل جرأة عن “محمد محمود” ليس لأني كنت جزء منه بل لأنه كان جزء مني. حتى
برغم اني لم أحضر الاشتباكات, فقد نزلت في ميدان التحرير الذي كان منفصلا تماما عن
احداث “محمد محمود” كنوع من تقديم الدعم المعنوي, محمد محمود ليست مجرد واقعة و ليست حتى حكرا على من
حضروها, بل هي رمز لنضال جيل من أجل حلم يحاول الطغاة انتزاعه منه, هي رمز لصمود
الحقيقة أمام الزيف, رمز لصمود الأمل أمام الغدر, لهذا اكتب عن “محمد محمود” اليوم,
لأنها كانت أول مرة أدرك ان هناك من هو مستعد ان يحارب بكل شراسة لكي يقتل حلمنا,
أكتب اليوم لكي امجد كل الأبطال الذين دافعوا عن ذلك الحلم بكل ما أوتوا من قوة,
أقل ما يمكن أن أفعله هو أن أتذكر بطولتهم و أبكي على عجزي.
و لكن كيف أكتب عن الذكري و الدم لازال يسيل في الشوارع لم
يتوقف, كيف أكتب و حق الشهداء لم يأتي, هل يمكن ان أقارن مذبحة بمذبحة؟ صمود “محمد
محمود” دافع عن الحلم و أعطى دفعة لكل مناضل, لكننا اليوم نقف مشتتين مشرذمين, نرى
الحلم يموت فلا نعرف ماذا نفعل, غلبتنا السياسة فأصبحنا نفرّق في الدماء هذه
دماؤهم و هذه دماؤنا. كل الوجوه النقية تتتابع أمام وجهي, أمام وجوههم أدرك ان “محمد
محمود” بداخل كل هؤلاء, أيا كان مكان و زمان استشهادهم ”فمحمد محمود” تمثل قمة
نضالهم, قمة المواجهة
أمام دولة الاستبداد دون أن يكون هناك أي غرض سوى انتصار الحلم و هلاك الظلم, كلهم شهداء “محمد محمود”.
أمام دولة الاستبداد دون أن يكون هناك أي غرض سوى انتصار الحلم و هلاك الظلم, كلهم شهداء “محمد محمود”.
"ماتت براءتنا يوم أن ماتت أسماء"
"محمد محمود" هو رمز الصمود الفعلي لجيلنا, هو الزمان و المكان الذي أدركنا فيه أن السياسيين يجاهدون كي يقتلواحلمنا. وقت "محمد محمود" هو اول مرة شعرنا فيها بقسوة طعنة الغدر, “محمد محمود” هي كل من شارك فيها, من ذهب إليها لم يعد كما كان."محمد محمود" ليست مجرد مكان بل هي البشر و إرادتهم, لا يمكنك أن تكتب عن الواقعة دون أن تكتب عن البشر فيها و عن بطولاتهم. لكن عمن أكتب, الوجوه كثيرة, كما أني - و بصراحة شديدة- أخشى ان أتحدث عن شخص أو مجموعة فيكون في ذلك جورا على حق أشخاص آخرين, و أخشى ان اتكلم عن حق شهداء “محمد محمود” فأضيع حق شهداء رابعة, رابعة حدثت لأن هناك من اجتهد لضياع حق شهداء "محمد محمود", و لو تجاهلنا رابعة فعلينا أن ننتظر مذبحة جديدة أكبر مما فات. لا أريد الحديث عن الخلافات السياسية أرجوك, لا أريد الحديث عن الإخوان, لا أريد أن أحتقر الدماء حتى لو كانت من أشخاص أختلف معهم أو حتى أكرههم, نحن نقتل انسانيتنا كل يوم و نلوث “محمد محمود” كل لحظة نسكت فيها عن الظلم, هل هان علينا من ماتوا و من فقدوا أبصارهم.
و هنا يبرز ذلك الوجه أمامي, وجه ملائكي فعلا, فتاة
صغيرة في السن, تمثل جيل مختلف من الشباب, جيل لديه حلم, تتسائل عن انتمائها
السياسي؟ دعني إذن اخبرك إذن أن هذا الجيل يسمو فوق كل تلك الأفكار, هو جيل يحارب
من أجل ان يكون لهذا الوطن حلم, جيل يبحث عن الامل للجميع.لهذا قررت أن اتحدث
اليوم عن فتاة تمثل هذا الجيل فعلا, ساحدثكم عن "اسماء البلتاجي" كرمز
من رموز محمد محمود, ليس لأنها الرمز الأهم, لكن لأنها أهم من يمكن ان نتحدث عنه
في هذا الوقت العصيب الذي يمر به الوطن و يتناحر فيه الجميع. أحدثكم عنها لأن
وجهها الملائكي يطاردني منذ أن ماتت, أحدثكم عنها لأنها ظلمت في حياتها و ظلمت في
مماتها و فلسفة "محمد محمود" الأساسية هي رفض الظلم و الاستبداد, لهذا
أحدثكم عن "أسماء" في ذكرى "محمد محمود".
"كتبت شهادة وفاتها في محمد محمود و اختارت ان تموت في رابعة"
تسألني في استنكار, كيف تقارن بين من مات في "محمد محمود" و من مات في "رابعة"؟ هنا أطلب منك ان تسامحني فنظري ضعيف فلا أستطيع التفريق بين الدم و لا أستطيع أن أقارن بين المذابح, نعم هناك مذبحة اكبر من مذبحة و لكن موت نفس واحدة يماثل موت جميع الأنفس عندي, كل ما أستطيع ان أقوله أن الحلم في "محمد محمود" يختلف عن الحلم في "رابعة" و أكادان أجزم أن "أسماء" ماتت من أجل حلم "محمد محمود" و ليس من أجل حلم "رابعة", تسأل أنّى لي أن أعرف؟, لأنها نزلت في "محمد محمود" و لو كنت نزلت معها لعرفت الإجابة بنفسك.
أتحدث عن "اسماء" لأنها تنتمي للإخوان و لأن
أباها هو "محمد البلتاجي", مجرد رؤية هذا السطر ستثير كل نوازع التعصب
عندك أيا كانت توجهاتك, لكن "أسماء" لم تكن يوما متعصبة, لم تكن خائنة,
و لم تتردد يوما عن الدفاع عما تحسبه حقا, اقول هذا و أنا لم أعرفها قط, و لكن
المواقف تفصح عن مكنون الانسان. أتحدث عن "أسماء" لأننا في عصر تهزمنا
فيه الأيدولوجية فنحتاج إلى أن نتذكر من هزموها, نحتاج إلى أن نتذكر
الأبطال الذين وقفوا بوجه الموت دفاعا عن حلمنا المشترك, نحن بحاجة إلى أن نتذكر أننا جميعا لا نختلف عن
بعضنا مهما اختلفت توجهاتنا وأننا نتساوى جميعا عند الموت. تظلمون "أسماء"
إن صنفتموها فقط أنها إخوانية, هي من اختارت أن تنزل بدلا من أن تؤيد وجهة نظر
جماعتها, هي من اختار أن يسمو فوق كل انتماء لتدافع فقط عما تراه حقا, بالتأكيد
تحملت غضب رفاق الثورة على أبيها و جماعته, رباه لا أستطيع أن اتخيل أي حمل تحملته
وقتذاك, حتى في موتها تجاهلها الجميع, حتى قاتلها شكك في موتها, هي المظلومة
دائما, شهيدة كل العصور, رمز حقيقي للصمود سواء كان ذلك في "رابعة" أو
"محمد محمود".
"أسماء"
هزمت الشكوك كلها في "محمد محمود", اختارت الحياة للجميع و اختاروا
الموت لها, هي مثل كل الشهداء, رموز الثورة, من ضحوا بكل شئ كي نحصل نحن على لمحة
من أمل. أكتب عنها هي بالذات لأنه لا أمل لنا دون أن نتذكر ان قوتنا كانت في
إيماننا بحق الحياة لكل الناس, لا أمل دون أن نفهم أننا جميعا نريد نفس الشئ حتى
لو ظننا عكس ذلك, لا أمل دون أن ندرك أن "أسماء" و رفاقها من الشهداء في
كل المذابح تجاوزوا فكرة الانتماء لتيار أو جماعة ليكون انتماؤهم الأساسي للوطن,
الحلم كان وطن يسع الجميع فحولناه إلى وطن يسعنا نحن فقط, عندما نصل إلى ذلك
التفاهم ساعتها يمكن أن نعيد الامل إلى المعادلة.
خذلنا "أسماء", خذلنا سائر الشهداء و أضعنا
حلمهم بتناحرنا و خلافاتنا. في يوم ما كنا نقف جميعا في نفس الصف, كنا نعرف الحق
من الباطل, كان هدفنا واحد و حلمنا مشترك. الآن نقف مشرذمين, نكفّر و نخوّن و يتهم
بعضنا بعضا بأقذع الألفاظ و الاتهامات. لا أستطيع أن أكتب عن "أسماء"
دون أن يثير ذلك أسوأ النعرات الطائفية و القبلية المقيتة, هناك من سيفهم كلامي
أنه مع الإخوان و هناك من سيفهم كلامي أنه ضدهم و الحقيقة أن كلاهما لم يفهم
المقالة, "أسماء" عندما نزلت "محمد محمود" لم تنزل بصفتها
إخوانية و لكن نزلت بصفتها انسانة, و هذا ما أحاول أن أتحدث عنه في هذه المقالة,
لن ننتصر إلا إذا انتصرنا لانسانيتنا, وقتها فقط يمكنك أن تدرك أن
"أسماء" لم تكن فقط بطلة من أبطال "محمد محمود" بل كانت فعلا
شهيدة لكل العصور.
هذا العام سأنزل بإذن الله في ذكرى "محمد محمود",
لم أفعل ذلك قط, و لدي خوف من مجزرة جديدة و لكن يجب أن أنزل لأقول لأسماء و لكل
شهداؤنا, موتكم لم يكن هباء و سيظل من بعدكم من يكمل الحلم. ربما ليس مقدرا لنا أن
نحقق هذا الحلم في حياتنا و لكن علينا على الأقل أن نحميه و نحفظه لمن سيأتي بعدنا.
أسأل الله أن يرحم جميع شهداؤنا في كل المحافل و أن يصبر
اهلهم على فراقهم.
علاء نبيل
30-10-2013
تحديث : لم اتمكن من الذهاب إلى محمد محمود للأسف كما كنت انوي نتيجة لبعض الظروف الخاصة و لكن للأسف لم ينتهي اليوم بخير و سقط شهداء جديد ليزداد إحساسنا بالعجز امام كل هذا الموت و الاستهتار بحياة الانسان اللهم ارحم موتانا و اقبلهم عندك شهداء و أجعلنا يا رب سببا في الإتيان بحقهم, لا حول و لا قوة إلا بك و لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك
تحديث : لم اتمكن من الذهاب إلى محمد محمود للأسف كما كنت انوي نتيجة لبعض الظروف الخاصة و لكن للأسف لم ينتهي اليوم بخير و سقط شهداء جديد ليزداد إحساسنا بالعجز امام كل هذا الموت و الاستهتار بحياة الانسان اللهم ارحم موتانا و اقبلهم عندك شهداء و أجعلنا يا رب سببا في الإتيان بحقهم, لا حول و لا قوة إلا بك و لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك
