Wednesday, October 30, 2013

شهيدة لكل العصور-مقال



صورة لأسماء البلتاجي أثناء احداث محمد محمود, ابتسامة أكبر من الحياة


"عندما تغرب شمس الطفولة ويستوحش ليل الغدر ساعتها تذكروا أسماء"

لكل عصر شهيد, لكل مذبحة رمز, من عشرات و مئات الوجوه القتلى و بين صرخات الأصدقاء و الأهل هناك ذلك الوجه المبتسم الذي تحكي ابتسامته قصة حياة هي أقرب للأسطورة كانت نهايتها هي الشهادة في مواجهة الظلم و الطغيان. أنت تعرف هذه الأسماء جيدا, حفظتها و شاهدت وجوهها البريئة عشرات المرات و لكن موقفك منها ليس دائما إيجابيا, احيانا تتسائل ما الذي ذهب بهم إلى هناك؟ احيانا تصرخ, إنهم يريدون الموت لإحراج الطغاة, تبا لهم...يسمعون صراخك فيردون عليها بابتسامة تبعث الحياة في الأنفس الميتة.
أردت ان  أكتب عن “محمد محمود” لإقتراب ذكراها, ثم تذكرت كل المذابح السابقة و اللاحقة, و لاحقتني الوجوه المبتسمة للشهداء, عن من أكتب اليوم؟ عن كريم بنونة و رفاقه, ام عن مينا دانيال و شجاعته, ربما عن ضحايا “محمد محمود” الأولى, او عن عماد عفت و علاء عبد الهادي, ربما عن ضحايا الالتراس, كلا سأكتب عن جيكا و الجندي و كريستي و الشافعي و الحسيني أبو ضيف,امم, ربما سأكتب اليوم عن شريف جمال صيام. كل رمز منهم ارتبط بمذبحة, يذكرنا بها, و نتذكر معه ضعفنا الانساني و عجزنا ان ننقذه, نأتي له بحقه, او على الأقل نموت معه.
لم أشارك ب”محمد محمود” في أي من نسخها,لم أشارك في مجلس الوزراء, لم أشارك في رابعة, لم أشارك في أي اشتباكات أو معارك قط, ليس هذا تعبيرا عن موقفي السياسي و ليس تعبيرا عن جبني, بل هو تعبير عن العجز. أنا أيدت الثورة و نزلت وقت أن نزل الناس, لكني لم أشارك في أي اشتباكات, لا أعرف حتى كيف أخوض إحداها, أؤيد الثورة بشدة و لكني لا أدعي اني ثوري أو ناشط او سياسي,و مع ذلك فأنا أكتب اليوم بكل جرأة عن “محمد محمود” ليس لأني كنت جزء منه بل لأنه كان جزء مني. حتى برغم اني لم أحضر الاشتباكات, فقد نزلت في ميدان التحرير الذي كان منفصلا تماما عن احداث “محمد محمود” كنوع من تقديم الدعم المعنوي, محمد  محمود ليست مجرد واقعة و ليست حتى حكرا على من حضروها, بل هي رمز لنضال جيل من أجل حلم يحاول الطغاة انتزاعه منه, هي رمز لصمود الحقيقة أمام الزيف, رمز لصمود الأمل أمام الغدر, لهذا اكتب عن “محمد محمود” اليوم, لأنها كانت أول مرة أدرك ان هناك من هو مستعد ان يحارب بكل شراسة لكي يقتل حلمنا, أكتب اليوم لكي امجد كل الأبطال الذين دافعوا عن ذلك الحلم بكل ما أوتوا من قوة, أقل ما يمكن أن أفعله هو أن أتذكر بطولتهم و أبكي على عجزي.
و لكن كيف أكتب عن الذكري و الدم لازال يسيل في الشوارع لم يتوقف, كيف أكتب و حق الشهداء لم يأتي, هل يمكن ان أقارن مذبحة بمذبحة؟ صمود “محمد محمود” دافع عن الحلم و أعطى دفعة لكل مناضل, لكننا اليوم نقف مشتتين مشرذمين, نرى الحلم يموت فلا نعرف ماذا نفعل, غلبتنا السياسة فأصبحنا نفرّق في الدماء هذه دماؤهم و هذه دماؤنا. كل الوجوه النقية تتتابع أمام وجهي, أمام وجوههم أدرك ان “محمد محمود” بداخل كل هؤلاء, أيا كان مكان و زمان استشهادهم ”فمحمد محمود” تمثل قمة نضالهم, قمة المواجهة 
أمام دولة الاستبداد دون أن يكون هناك أي غرض سوى انتصار الحلم و هلاك الظلم, كلهم شهداء “محمد محمود”.

"ماتت براءتنا يوم أن ماتت أسماء"

"محمد محمود" هو رمز الصمود الفعلي لجيلنا, هو الزمان و المكان الذي أدركنا فيه أن السياسيين يجاهدون كي يقتلواحلمنا. وقت "محمد محمود" هو اول مرة شعرنا فيها بقسوة طعنة الغدر, “محمد محمود” هي كل من شارك فيها, من ذهب إليها لم يعد كما كان."محمد محمود" ليست مجرد مكان بل هي البشر و إرادتهم, لا يمكنك أن تكتب عن الواقعة دون أن تكتب عن البشر فيها و عن بطولاتهم. لكن عمن أكتب, الوجوه كثيرة, كما أني - و بصراحة شديدة- أخشى ان أتحدث عن شخص أو مجموعة فيكون في ذلك جورا على حق أشخاص آخرين, و أخشى ان اتكلم عن حق شهداء “محمد محمود” فأضيع حق شهداء رابعة, رابعة حدثت لأن هناك من اجتهد لضياع حق شهداء "محمد محمود", و لو تجاهلنا رابعة فعلينا أن ننتظر مذبحة جديدة أكبر مما فات. لا أريد الحديث عن الخلافات السياسية أرجوك, لا أريد الحديث عن الإخوان, لا أريد أن أحتقر الدماء حتى لو كانت من أشخاص أختلف معهم أو حتى أكرههم, نحن نقتل انسانيتنا كل يوم و نلوث “محمد محمود” كل لحظة نسكت فيها عن الظلم, هل هان علينا من ماتوا و من فقدوا أبصارهم.
و هنا يبرز ذلك الوجه أمامي, وجه ملائكي فعلا, فتاة صغيرة في السن, تمثل جيل مختلف من الشباب, جيل لديه حلم, تتسائل عن انتمائها السياسي؟ دعني إذن اخبرك إذن أن هذا الجيل يسمو فوق كل تلك الأفكار, هو جيل يحارب من أجل ان يكون لهذا الوطن حلم, جيل يبحث عن الامل للجميع.لهذا قررت أن اتحدث اليوم عن فتاة تمثل هذا الجيل فعلا, ساحدثكم عن "اسماء البلتاجي" كرمز من رموز محمد محمود, ليس لأنها الرمز الأهم, لكن لأنها أهم من يمكن ان نتحدث عنه في هذا الوقت العصيب الذي يمر به الوطن و يتناحر فيه الجميع. أحدثكم عنها لأن وجهها الملائكي يطاردني منذ أن ماتت, أحدثكم عنها لأنها ظلمت في حياتها و ظلمت في مماتها و فلسفة "محمد محمود" الأساسية هي رفض الظلم و الاستبداد, لهذا أحدثكم عن "أسماء" في ذكرى "محمد محمود".

 "كتبت شهادة وفاتها في محمد محمود و اختارت ان تموت في رابعة"

تسألني في استنكار, كيف تقارن بين من مات في "محمد محمود" و من مات في "رابعة"؟ هنا أطلب منك ان تسامحني فنظري ضعيف فلا أستطيع التفريق بين الدم و لا أستطيع أن أقارن بين المذابح, نعم هناك مذبحة اكبر من مذبحة و لكن موت نفس واحدة يماثل موت جميع الأنفس عندي, كل ما أستطيع ان أقوله أن الحلم في "محمد محمود" يختلف عن الحلم في "رابعة" و أكادان أجزم أن "أسماء" ماتت من أجل حلم "محمد محمود" و ليس من أجل حلم "رابعة", تسأل أنّى لي أن أعرف؟, لأنها نزلت في "محمد محمود" و لو كنت نزلت معها  لعرفت الإجابة بنفسك.
أتحدث عن "اسماء" لأنها تنتمي للإخوان و لأن أباها هو "محمد البلتاجي", مجرد رؤية هذا السطر ستثير كل نوازع التعصب عندك أيا كانت توجهاتك, لكن "أسماء" لم تكن يوما متعصبة, لم تكن خائنة, و لم تتردد يوما عن الدفاع عما تحسبه حقا, اقول هذا و أنا لم أعرفها قط, و لكن المواقف تفصح عن مكنون الانسان. أتحدث عن "أسماء" لأننا في عصر تهزمنا فيه الأيدولوجية فنحتاج إلى أن نتذكر من هزموها, نحتاج إلى أن نتذكر الأبطال الذين وقفوا بوجه الموت دفاعا عن حلمنا المشترك, نحن  بحاجة إلى أن نتذكر أننا جميعا لا نختلف عن بعضنا مهما اختلفت توجهاتنا وأننا نتساوى جميعا عند الموت. تظلمون "أسماء" إن صنفتموها فقط أنها إخوانية, هي من اختارت أن تنزل بدلا من أن تؤيد وجهة نظر جماعتها, هي من اختار أن يسمو فوق كل انتماء لتدافع فقط عما تراه حقا, بالتأكيد تحملت غضب رفاق الثورة على أبيها و جماعته, رباه لا أستطيع أن اتخيل أي حمل تحملته وقتذاك, حتى في موتها تجاهلها الجميع, حتى قاتلها شكك في موتها, هي المظلومة دائما, شهيدة كل العصور, رمز حقيقي للصمود سواء كان ذلك في "رابعة" أو "محمد محمود".
 "أسماء" هزمت الشكوك كلها في "محمد محمود", اختارت الحياة للجميع و اختاروا الموت لها, هي مثل كل الشهداء, رموز الثورة, من ضحوا بكل شئ كي نحصل نحن على لمحة من أمل. أكتب عنها هي بالذات لأنه لا أمل لنا دون أن نتذكر ان قوتنا كانت في إيماننا بحق الحياة لكل الناس, لا أمل دون أن نفهم أننا جميعا نريد نفس الشئ حتى لو ظننا عكس ذلك, لا أمل دون أن ندرك أن "أسماء" و رفاقها من الشهداء في كل المذابح تجاوزوا فكرة الانتماء لتيار أو جماعة ليكون انتماؤهم الأساسي للوطن, الحلم كان وطن يسع الجميع فحولناه إلى وطن يسعنا نحن فقط, عندما نصل إلى ذلك التفاهم ساعتها يمكن أن نعيد الامل إلى المعادلة.
خذلنا "أسماء", خذلنا سائر الشهداء و أضعنا حلمهم بتناحرنا و خلافاتنا. في يوم ما كنا نقف جميعا في نفس الصف, كنا نعرف الحق من الباطل, كان هدفنا واحد و حلمنا مشترك. الآن نقف مشرذمين, نكفّر و نخوّن و يتهم بعضنا بعضا بأقذع الألفاظ و الاتهامات. لا أستطيع أن أكتب عن "أسماء" دون أن يثير ذلك أسوأ النعرات الطائفية و القبلية المقيتة, هناك من سيفهم كلامي أنه مع الإخوان و هناك من سيفهم كلامي أنه ضدهم و الحقيقة أن كلاهما لم يفهم المقالة, "أسماء" عندما نزلت "محمد محمود" لم تنزل بصفتها إخوانية و لكن نزلت بصفتها انسانة, و هذا ما أحاول أن أتحدث عنه في هذه المقالة, لن ننتصر إلا إذا انتصرنا لانسانيتنا, وقتها فقط يمكنك أن تدرك أن "أسماء" لم تكن فقط بطلة من أبطال "محمد محمود" بل كانت فعلا شهيدة لكل العصور.
هذا العام سأنزل بإذن الله في ذكرى "محمد محمود", لم أفعل ذلك قط, و لدي خوف من مجزرة جديدة و لكن يجب أن أنزل لأقول لأسماء و لكل شهداؤنا, موتكم لم يكن هباء و سيظل من بعدكم من يكمل الحلم. ربما ليس مقدرا لنا أن نحقق هذا الحلم في حياتنا و لكن علينا على الأقل أن نحميه و نحفظه لمن سيأتي بعدنا.
أسأل الله أن يرحم جميع شهداؤنا في كل المحافل و أن يصبر اهلهم على فراقهم.
علاء نبيل
30-10-2013
تحديث : لم اتمكن من الذهاب إلى محمد محمود للأسف كما كنت انوي نتيجة لبعض الظروف الخاصة و لكن للأسف لم ينتهي اليوم بخير و سقط شهداء جديد ليزداد إحساسنا بالعجز امام كل هذا الموت و الاستهتار بحياة الانسان اللهم ارحم موتانا و اقبلهم عندك شهداء و أجعلنا يا رب سببا في الإتيان بحقهم, لا حول و لا قوة إلا بك و لا ملجأ و لا منجى منك إلا إليك

      

Sunday, October 27, 2013

الأخلاق المزيفة-مقال

 تعلمت منذ طفولتي أن الأخلاق هي الطريق لكي يصير المرء انسانا
تعلمت أن الدين هو حسن الخلق
 منذ الطفولة عُرِفت بحسن الخلق, فانا لا أسب و لا احب الغيبة او الإبتذال و احاول ان أعامل كل من حولي بأفضل الأخلاق الممكنة من الابتعاد عن الكذب أو حتى مجرد جرح مشاعر من أمامي, ليس هذا محاولة مني لإدعاء المثالية, فأنا ملئ بالعيوب و الذنوب الخفية و لهذا كنت دوما احاول التغلب عليها بأن اكون حَسَن الأخلاق و حَسَن المعاملة.
تعودت ان اطيع القوانين, لا أتكلم في الفصل و لا حتى بين الحصص, مجرد عقاب عشوائي من المدرس كان كفيلا بتعكير العام الدراسي كله علي, اذكر أيضا أنّي انهرت تماما عند اول مخالفة سرعة .لي 
لماذا أصدعك بهذه الحكايات, ببساطة لأنني أردت أقدم لك صورة بسيطة عمّا يعتبره المجتمع انسان ذو أخلاق رفيعة؟ و لكن السؤال هل هذه الأخلاق حقيقية أم مزيفة؟ لا أحدثك هنا عمّن يدّعي الاخلاق و هو يقوم بكل الموبقات في السر , فحتى ذوو الأخلاق يخطئون و يقعون في ما يخالف أخلاقهم, كما أن ذوو الوجهين لا يستحقون أن أكتب مقالة عنهم. 
إذن ما الذي أتحدث عنه بالضبط؟
 راجع الوصف الذي وصفت به نفسي أعلى المقالة, كيف يمكنك ان تصف هذا الشخص؟ هل هو شخص ذو أخلاق عالية؟ هل تظن ذلك حقا؟
ماذا لو قلت لك إن الشخص الموصوف اعلاه برغم حسن خلقه و رفضه للبذاءات هو شخص سلبي جدا, لم يقم في حياته بمجابهة ما يراه خطئا و لم يواجه قط الشرور الموجودة في مجتمعه.
ماذا لو قلت لك أن هذا الشخص عندما دخل الحياة العملية فوجئ بكم الفساد و الأخطاء في مجاله و كيف ان مجال عمله ملئ بالكثير من الأشياء التي يرفضها من منطلق أخلاقه و مع ذلك فقد شارك بدرجة ما في الفساد و الأخطاء إما بصمته, أو مضطرا بداعي أن الكل يفعلون ذلك أو حتى دون ان يدرك أن ما يفعله خطأ لأن قيم الحق و الباطل اختلطت عليه في مجتمع فاسد حتى النخاع.
ما رأيك في هذا الشخص؟
هل لازلت تراه حَسَن الخلق و نموذج للأخلاق العالية؟
.هل تراه شخص شرير و مجرم و بائع لمبادئه؟ ربما... لكن الحقيقة غير ذلك
الحقيقة التي اكتشفتها أن منظومتنا الاخلاقية مزيفة تماما.....تلك هي المشكلة الرئيسية
تحمّلني قليلا
منظومتنا الاخلاقية تهتم بالأخلاق الظاهرة, الشكل الخارجي فقط, حتى حُسن المعاملة لا يدخل في منظومتنا الأخلاقية
لدينا في مصر ما يعرف بفن التثبيت, الشخص يمكنه ان يسئ إليك و يهينك و لكن يكلمك و يعتذر لك بلطف, فيصيرشخصا ظريفا طيب القلب
يسرقك و هو يبتسم فتبتسم له
يأكل عليك حقا و لكن يعوضك بمعسول الكلام فتبتلع ذلك في صمت
 هنا تراني أهاجم رد الفعل و ليس الفعل, فهذا النصاب الظريف و اللص الشريف نموذج موجود في المجتمعات كلها لكن المشكلة فيمن يتعامل معه على انه شخص مقبول اجتماعيا
كمال الشاذلي رحمة الله عليه نموذج جيدلما أقوله, فبرغم كل ما يعرفه الناس عنه من مساوئ إلا أنه كان محبوبا من الجميع لأنه يخدم كل الناس و كان كريما بلا حساب و أتحدى لو استطاع أي شخص هزيمته في أي انتخابات نزيهة. كيف يكون هذا؟و كيف يكون الشخص فاسدا أو مجرما و مع ذلك مقبول اجتماعيا بل و يتطلع له الناس, أمر يثير العجب و كان لابد ان يضرب ناقوس الخطر في منظومتنا الأخلاقية و الاجتماعية و لكن ذلك لم يحدث حتى الآن
هل تظن انك بعيد عن هذا و ان أخلاقياتك سليمة تماما؟ ربما و لكن أشك في هذا نظرا لأن أمراض مجتمعنا أصابتنا جميعا و لو بدرجات مختلفة
انظر مثلا إلى المرأة التي تتعرض للتحرش,تأمل كيف يكون رد فعل الناس أمام تلك الجريمة, يعتبرونه عيبا و امر غير أخلاقي أن تفصح المرأة عن الإنتهاكات التي حدثت لها و إذا حاولت ان تدافع عن نفسها أو أن تسلِّم المعتدي للشرطة هاجموها و طالبوا منها ألا تضيِّع مستقبل المعتدي, ببساطة يرون أن الرحمةتكمن في أن يفلت المجرم من جريمته و أن القسوة و الظلم يكمنان في أن تطالب الضحية بالعدالة لها و لمن هم مثلها
هذا المشهد متكرر في كثير من المشاهد, لص الأحذية الذي يجتمع المصلّين على ضربه ثم يتركونه و يرفضون تسليمه للشرطة لأن أخذ جزاءه
حادثة السيارة التي يتعاطف فيها الناس مع المخطئ و يشهدون زورا لحمايته
هل أحتاج أن أقول المزيد
للأسف هناك المزيد
 دعني أحدثك عن الإسلاميين, بعيدا عن السياسة هذه المرة, من المفترض أن أغلبنا ممن تعرف على أي شخص ينتمي للتيار الاسلامي قد تأثر فيه بحسن الخلق و تمنى أن يكون مثله ذات يوم و لكن حتى هؤلاء الذين يتربون على حسن الخلق كأمر حتمي وقعوا في نفس فخ الأخلاق المزيفة
انشغال بالظاهر و الابتعاد عن القيم الأساسية التي تنهض بالمجتمعات و البشر
هم أيضا يسارعون للوم الضحية, فالتحرش بسبب  ثوب الضحية, و بالتالي فالمعتدي وفقا لهذا معذور
الفتاة التي ضربت من الجنود حتى كُشِفَ جسدها هي المخطئة لأنها كانت هناك أصلا بل ذهب البعض انها ذهبت لتضرب كي تفتري على الجنودو الدليل ما كانت ترتديه تحت ملابسها
 الشيوخ الذين يسبون  و يخوضون في الأعراض و يروجون للإشاعات و الأكاذيب هم علماء و لا يجوز انتقادهم أو حتى الإقتراب منهم لأن لحوم العلماء مسمومة
لن أحدثك عن ألفاظ المؤيدين للتيارات الإسلامية على شبكات التواصل الإجتماعي لأني لا أعلم مدى ارتباطهم اخلاقيا بالتيار الإسلامي, كما انني يجب أن أوضح انني لا أعمم اخطاء و مساوئ القلة على عموم التيار الإسلامي و لكني انتقد صمت و دفاع جموع ابناء التيار الإسلامي عن تلك الأخطاء بل وأحيانا تأييدها فقط لأن إنتقادها قد يمس منظومة الأخلاق المزيفة التي نعيش فيها جميعا و لا تقتصر على فئة بعينها
  لست هنا لانتقاد تيار أو فئة بعينها و لكن لألقي الضوء على منظومتنا الأخلاقية الفاسدة  التي تحتفي بالظاهر من الأخلاق و تهمل الأساس منها, و هي منظومة تشمل الغالبية الأعم من المصريين مهما اختلفت طبقاتهم أو اتجاهاتهم السياسية, في هذه المنظومة تجدمن يتحدث و يهاجم انتهاكات اخلاقية قد تكون بسيطة, و يتجاهل في نفس الوقت انتهاكات كبرى إما لأنها تدينه أو تدين الفئة التي ينتمي إليها أو فقط لأنه فقد البوصلة الأخلاقية, فتجده مثلا يلوم على الضحية صراخها لأنه يرى أن الصوت العالي يزعج الأشخاص من حولها
أصحاب الأخلاق المزيفة يغضبون بشدة إذا انتهكت منظومتهم الخاصة, حتى لو تناقضوا في ذلك مع سكوتهم على خطايا كبرى في نفس الحدث
فهم مستعدون لإدانة الضحية إن هدد وجودها تلك المنظومة التي تسعدهم, المنظومة التي تسمح لهم بارتكاب الأخطاء و الخطايا مع الابقاء على قدرتهم على التعالي الأخلاقي على غيرهم
مالمنظومة التي تجعلهم يبررون الرشوة و السرقة و يتعايشون مع تلك الانتهاكات الأخلاقية الصارخة بضمير مستريح بينما يغضبون لأن أحدهم أطلق سبة بذيئة في وجوده
  وجود الضحية لمثل تلك الانتهاكات المقبولة مجتمعيا يدين تلك المنظومة بشدة لانها تظهر زيفها و بالتالي لابد ان تكون الضحية مخطئة من وجهة نظرهم
 أحد أكبر الأمثلة على ذلك هي ردود الفعل على برنامج تليفزيوني شهير
برنامج البرنامج
أنت تعرف القصة, شاب شديد الذكاء يقوم بعمل برنامج فريد من نوعه ينتقد فيه الظاهر السلبية في المجتمع , ينتقل من الهواية إلى الإحتراف ليلعب دور الساخر الذي ينتقد الجميع
  مما جعله يترك مهنته الأساسية التي كان ناجحا و هي الطب فيها لأسباب تخصه
فوجئنا في الموسم الثاني من برنامجه باييحاءات مسفة و ألفاظ بذيئة حتى تحول البرنامج ليكون للكبار فقط, يمكن بالتأكيد ان نفهم ان هذا التحول كان قرارا اقتصاديا لاجتذاب المزيد من شرائح المشاهدين التي قد تميل إلى المحتويات الصادمة
 و برغم أن قوة باسم جائت من عدم انتماؤه لأي من التيارات السياسية إلا أنه اختار أن يهاجم التيار الحاكم على أساس ان الهدف من برنامجه هو الانتقاد السياسي و الساخر من كل الفئات  و خصوصا أهل الحكم, جلب هذا عليه هجوما و انتقادات حادة من التيارات الاسلامية مما جعله يصنف في جانب تيار سياسي معين و هو ما أفقد برنامجه ميزته في الإنتقاد الساخر بعدما صار   محسوبا على اجندة تيار سياسي معين حتى و لو لم يكن هذا برغبته و لكن الصراع السياسي أضر فكرة و هدف البرنامج في هذه الفترة, على الأقل أطاح بجمهوره من داخل التيارات الإسلامية تماما
 المشاكل السياسية في مصر بعد ذلك أدت إلى توقف البرنامج لفترة كبيرة
 من أكثر من يومين عاد باسم يوسف ليثير الجدل مرة أخرى بالانتقادات الساخرة الموجهة للتيار الحاكم الآن فإذا بأنصار التيار الحاكم الآن يتلقون البرنامج بنفس غضب أهل التيار الحاكم السابق برغم أن البعض يرى ان سخريته لم تصل لنفس المستوى في الموسم الماضي حينما كان ينتقد التيارات الإسلامية
لا يعنيني من كل ذلك سوى التركيز على شئ اشترك فيه كل من انتقدوا باسم من التيارات المختلفة, فكل من انتقده ركز على ألفاظ و بذاءات و ايحاءات البرنامج التي وفقا لهم ضايقتهم و يرون أنها لا يجب ان تكون في برنامج تشاهده الأسرة
أنا آخر من يمكن أن يؤيد البذاءات و الألفاظ و الإيحاءت المسفة و لكن لا يعقل ان نسكت على كل العهر الذي يحدث في المجتمع لننتقد و نحن نضع رجلا على رجل بذاءات باسم يوسف
لا يعنيني انتماؤك السياسي و من حقك ان تحب أو أن تكره باسم و أن تعترض على أسلوبه فبالتأكيد كل تلك البذاءات ليست امرا محمودا و امر اتمنى أن يتخلص البرنامج منه, إعتراضي هو أن تترك كل النفاق و الاسفاف و الإبتذال في المجتمع كي تنتقد ألفاظ باسم, أن تترك كل الأخطاء التي يبرزها في تيارك و تدعي ان المشكلة في باسم هي سفالته, هذا هو ما أعنيه بالأخلاق المزيفة, تترك كل المشاكل التي تدينك أنت لكيي تقف في برجك العاجي من أخلاقيات زائفة لكي تنتقد  الفاظ البرنامج, تتجاهل كل ما انتقده باسم من عهر و نفاق و بذاءات و أخطاء تصل لحد الجرائم في حق المجتمع و تنتقد فقط طريقته في التقديم, عندما أرى منك هذا فاعذرني, غضبك من باسم ليس لبذاءاته أو حتى لإنتماءاته و لكن لأنه وضعك أمام المرآة و كشفك أمام نفسك و ليس فقط , لأنه انتقد تيارك الذي تؤيدهأنت تحاول فقط أن تهاجمه دون أن تبدو غاضبا من انتقاجه الشخصي لك 
باسم مجرد مثال, و كما قلت الأمثلة كثيرة و ليس الهدف من هذا المقال سرد الأمثلة و لكن إلقاء الضوء على مشكلة مجتمعية تضربنا جميعا في مقتل
  كلنا وقعنا في هذا الفخ بكريقة أو بأخرى, فخ الاخلاق الزائفة, لكن لا ينتبه الكثير منا له,  فقط من يحاسب نفسه و يراجعها و لديه القدرة على النقد الذاتي بجانب القدرة على تقبل النقد يمكنه أن يتخلص من هذا الفخ ليخرج من ضيق الأخلاق الزائفة إلى رحابة حسن الخلق التي تبني الانسان و المجتمع معا و بدون الثورة على تلك المنظومة الأخلاقية الفاسدة التي نعيش فيها و أنا أعني بذلك المصريين من   كل التيارات, فلا أمل لنا كمجتمع أن نحياة حياة تليق بالبشر.

أريد أن أقترح عليكم قراءة مقالة بلال فضل في الللينك المرفق بهذه المقالة لكي تعرفوا كيف أفسدت المنظومة الاخلاقية الزائفة مجتمعنا و كيف صرنا كمجتمع في الحضيض, الفقرة الأخير من المقال توضح بالضبط المشكلة و ما أقصده بالأخلاق المزيفة
كلمة أخيرة: أرجوكم حافظوا عل أخلاقكم فهي رصيدكم الأهم في الحياة

الشحاذ-قصة قصيرة

الشحاذ
"جابر":
لم يعرف أحد من أين جاء , في الواقع لم يكن أحد يهتم بذلك , في يوم لم يكن هناك و في يوم صار موجودا مثله في ذلك مثل باقي الشحاذين بالمنطقة الذين لا يعرف أحد من أين يجيئون و لا إلى أين يرحلون.حتى اسم "جابر" لم يكن أحد متأكداً تماما من أنه اسمه اصلا هناك من يناديه بأسماء أخرى و إن كان "جابر" هو  أشهرها .
الحقيقة أن هذا الشحاذ كان غريبا منذ بدايته , فهو لم يكن طبيعيا ,"مجنون " هكذا كان يردد أهل المنطقة كلهم , كان شديد الإلحاح و لم يكن كسائر الشحاذين الآخرين يستخدم الادعية لإجتذاب الناس و التأثير عليهم لاعطائهم المال , بل كان يتقدم بمنتهى السماجة و يمد يديه و يطلب نقودا أو أي حسنة بأسلوب منفر و عندما يبتعد عنه أحدهم أو يرفض إعطائه المال كان يسبه بأقذع الالفاظ , حتى عندما كان لا يعجبه عطاء الآخرين كان يقوم بسبهم و مطاردتهم بعنف, و مع ذلك سكت عنه الجميع فقد كان لكل من أهل المنطقة مشاكله التي ينشغل بها و كان آخر مشاكل أي فرد فيهم هو ذلك الشحاذ اللحوح, كما أن الكل كان يعتبره مختل عقليا فهذا واضح من تصرفاته و سلوكه لذلك لم يكترث له الكثير بل على العكس كان هناك دوما من يتعاطف معه و يرفض أن يتخذ معه أحد أي إجراء بدعوى ان ذلك غير  إنساني كما ان التسول لن ينتهي برحيله و سيظل دوما هناك هؤلاء الشحاذين و كانت تلك دوما هي الكلمة الفاصلة عند الحديث عن ذلك الشحاذ صاحب الأسلوب المقزز.
مع مرور الأيام و الشهور صار جابر أهم شحاذ في المنطقة , بل صار من معالم المكان , فقد صار من الصعب أن تمر في المنطقة دون أن تلتقي به و تتعرض لمضايقاته , في الأعياد كان يطرق جميع أبواب المنطقة ايا كان نوع العيد سواء كان عيدا للمسلمين أو المسيحيين , كان يطرق أبواب الكل دون رادع و كان من الصعب أن تتخلص منه, في النهاية كان يرضخ الجميع و يعطيه ما يريد حتى يتجنب المشاكل , صار صداعا في رؤوس جميع السكان و لكن لم يفعل أحد أي شئ تجاه ذلك الأمر , كل فرد كان ينتظر الآخر ليقوم بشئ ما و لهذا فلم يقم أي شخص بأي تصرف  تجاه هذا الشحاذ السمج كما وصفه البعض فلم يكن الأمر شديد الأهمية في نظرهم كما أنه في النهاية مجرد شخص مخبول فلم العناء . و لهاذ استمر "جابر " في المنطقة.
لم يكن سلوك "جابر" مزعجا فقط للسكان و لكن لباقي شحاذي المنطقة , فقد كان دخيلا عليهم و كان يستأثر بنصيب الأسد من العطايا و هو ما دفعهم للتعارك معه كثيرا و لكنه كان شديد العنف شديد الصراخ و غالبا ما يدعي انه هو الذي تعرض للاعتداء عليه, مع الوقت صار يضايقهم بكل الطرق الممكنة , حتى اضطروا تدريجيا لترك المنطقة كلها له ! , و بعد فترة ليست بكبيرة صار "جابر" هو الشحاذ الوحيد بالمنطقة. ازدادت سماجته و ازداد ازعاجه للسكان أكثر فأكثر , لهذا صار من الصعب أن تمر بتلك المنطقة دون أن تلتقي به أو تتعرض لمضايقاته, لقد صار بالفعل من علامات تلك المنطقة ,و لكنه لم يكن من العلامات المحببة لأهل هذا المكان .
"رقية":
مثلما يعرف الجميع هاهنا "جابر" و يتجنبونه , فإن" رقية" هي الأخرى معروفة و لكنها على عكس "جابر" , فالكل يحبها بشدة , فهي ملاك هذه المنطقة كما يطلق عليها السكان, و ذلك لشدة أدبها و تواضعها , كما أنها كانت تسأل عن أحوال الجميع و تزور جيرانها و تعود المرضى و تساعد من يحتاج لمساعدة, ربما يعود هذا لأنها نشأت في أسرة مربي فاضل و هو الأستاذ "عبد الغني" استاذ اللغة العربية بالمدرسة القريبة من الحي, كان الكل يتوقع لها مستقبلا باهرا و هي تستحق هذا فهي فتاة شديدة الاجتهاد و الطموح و لهذا التحقت بكلية الطب برغم صعوبتها إلا انها كانت تجتهد لكي تنجح و تتفوق بها و في نفس الوقت برغم انشغالها لم تتوقف قط عن مساعدة غيرها أو الاهتمام بالآخرين طالما كان ذلك بمقدورها , و بالتالي فلم يكن هناك فرح لأهل الحي دون ان تكون مدعوة و كانت دوما اول من يقوم بواجب العزاء عند الوفيات و كانت دوما تساعد كل من يحتاج للمساعدة , بإختصار كانت محبوبة من الجميع , لاخلاقها و تدينها و تفوقها ناهيك عن جمالها و هي صفة تضاف لسائر صفاتها الحسنة .
كان الجميع يمتدح رقتها و عذوبتها و طيبتها لهذا كانوا جميعا يعتبرونها الملاك الخاص بالمنطقة , حتى الشحاذ السمج "جابر" كان يستثنيها من مضايقاته المعتادة, و مع ذلك كانت عادة ما تمنحه بعض المال أو تعطيه شيئا زائدا عن حاجتها , و كانت تلك عادتها مع جميع المحتاجين .
لكن ليس من عادة الحياة أن تمر سلسة , فلابد أن يأتي اليوم الذي تتعثر فيه الحال و هذا ما حدث و كان السبب هو "جابر".
الأمر بدأ بزيارة معتادة من جابر لمنزل الأستاذ "عبد الغني" لم يكن الأمر مستغربا فقد كان يطرق أبواب الجميع و لكن هيئته بدت محتلفة لم يكن رث الثياب زائغ النظرات كعادته بل العكس بدا مهندما الى حد ما و كان يتكلم بأسلوب هادئ لا يحوي أيا من الألفاظ البذيئة و الغريبة التي اعتاد اطلاقها على الجميع, بل بدا عليه علامات العقل الى حد كبير, لهذا عندما طلب مقابلة الأستاذ عبد الغني كان الأمر بالنسبة للجميع مريب للغاية و لكن ريبتهم سرعان ما صارت دهشة و غضب شديد عندما علموا ما جاء "جابر" من أجله, كانت صدمة لهم عندما فوجئ الأستاذ "عبد الغني" و ابنه "طارق" بجابر يضع أمامهم جوالا ملئ بالنقود ليطلب يد "رقية" كان أسلوبه فجا و لكن لم يكن الأسلوب فقط هو الذي أثار غضبهم, قاموا بطرده و تبادلوا السباب و الضرب كان "طارق" أخوها يشعر بإهانة شديدة وكان أكثرهم غضبا كعادة كل الشباب المتحمس و أبدى رغبته في طرد ذلك المتبجح الذي تحملته المنطقة طويلا, خاصة بعدما اتضح لهم أنه يدعي الجنون . و لكن "جابر" اختفى فجاة من المنطقة دون أن يكون لطارق دخلا بهذا الأمر, تساءل الجميع عن سبب اختفاؤه و أبدوا ارتياحهم لذلك الأمر, بعد ذلك صارت حكايته نادرة يتفكهون بها في جلسات الرجال على المقهى أو ثرثرة النساء في البيوت, كان هناك مبالغة كبيرة في الأمر كانوا يتحدثون عن الملايين التي وضعها امام الأستاذ "عبد الغني" و كيف أن ثروته لا تعد و لا تحصى و انه خدعهم جميعا , كانوا يضحكون من الأمر و أحيانا يتجاوز حديثهم في حق الفتاة الرقيقة, كان الحديث حول ذلك الموضوع الغريب أفضل بكثير من الحديث عن همومهم التي تعتريهم و تصيبهم, صار "جابر" الشحاذ هو محور حديثهم الذي لم يخل من الحديث عن "رقية" أيضا و لكن ليس بصفتها ضحية, كان أمرا سيئا و لكنها طبيعة البشر .
الفتوة:
لا يعرف أحد كم مر من الوقت قبل ان يظهر "جابر" مرة أخرى و لكن لم يكن المهم كم غاب و لكن كيف عاد كان هو السؤال الأهم .
فجابر الشحاذ المخبول الذي عرفه الجميع عاد بصورة مختلفة تماما, كان معتدلا في وقفته و مشيته و ليس كما اعتاد الجميع , نظراته حادة, لأول مرة يلاحظ الجميع بنيانه القوي, كما أنه لم يكن وحيدا.
فقد كان معه مجموعة من الرجال الأشداء الذين تنم ملامحهم عن طبيعة إجرامية, كانوا مسلحين بالهراوات و الأسلحة البيضاء , قاموا بتكسير كل شئ , واجهات المحلات, السيارات, الإعتداء على أهل المنطقة ثم صرخ في الجميع أن على أهل المنطقة دفع مبلغا أسبوعيا من المال نظير الحماية من رجاله و شرهم, كان الأمر عجيبا فبرغم إختفاء ظاهرة الفتوة يعود "جابر" ليفرض إتاوة على أهل المنطقة البسطاء, كان الأمر خطيرا هذه المرة لذا قرر أهل المنطقة التحرك و إبلاغ الشرطة و لكن الامر لم يكن سهلا.فجابر و عصابته كانوا يختفون تماما و لا يعرف احد مكانا لهم عند ظهور الشرطة و فور رحيلها يظهرون ليقوموا ببعض الشغب, تعددت البلاغات ضده و لكن لم يتمكن أحد من رجال الشرطة من العثور عليه, أو حتى الإمساك به أثناء غيه, و لم يكن الأمر مزعجا لهم ليهتموا به فقد كانت لديهم أمور أكثر خطورة من ذلك الموضوع البسيط الذي يمكنهم حله بسهولة في أي وقت, لذا مع الوقت لم تعد الشرطة ترد على تلك البلاغات لأن لديها أمور أخرى تهتم بها.
كان السكان يلعنون الفتاة التي لم يكن لها أي ذنب, و لكنهم لم يجدوا سواها لتتحمل ذنب ما حدث.
لقد تحول الأمر من مجرد شحاذ يثير صداع أهل المنطقة لبلطجي خطير يؤذي جميع الناس و يستبيح أموالهم و أعراضهم, و لم يدرك أحدهم السبب الحقيقي لهذا الأمر.
ثم جاء اليوم الذي تهجم فيه "جابر" و عصابته على الأستاذ "عبد الغني" و أسرته, قاموا بكسر باب الشقة و التعدي عليه و ابنه و اختطاف الفتاة عنوة من بيتها , كان ذلك يتم في وضح النهار و أمام مسمع و مرأى الجميع و لكن أحدا لم يحرك ساكنا, كان الكل يخشى أن تصيبه دائرة, كان الأمر مخزيا حقا و لكن لم يكن هناك من يمتلك الشجاعة لوقف ذلك الأمر.
لكن هناك من استفزه الأمر و تحرك, الشيخ "علي" إمام المسجد الذي يحبه الجميع و يستمع لخطبه و دروسه, حاول التدخل و نصح هؤلاء المجرمين لكنهم قاموا بضربه أيضا و لم يراعوا سنه الكبيرة الأمر الذي استفز بعض الشباب المتحمس الذين لم يتحملوا أكثر من ذلك,  فسكوتهم كان بناء على أوامر من ذويهم خشية أن يصيبهم الضرر و لكن الأمر كان مستفزا لهم بشدة و لم يستطيعوا البقاء ساكنين أمام تلك الجرائم, استنفرتهم الكرامة التي بداخلهم لذا تحركوا و هاجموا "جابر" و عصابته  الأمر الذي فاجأ "جابر" شخصيا لانه لم يكن مستعدا لمثل ذلك الأمر لذا قام بالإنسحاب و توعد اهل المنطقة بما فيهم إمام المسجد بعظائم الأمور ثم هتف بهم جميعا " لن يصلي أحد الجمعة هذا الأسبوع و سترون ما أنا قادر على فعله " و أطلق عدة الفاظ بذيئة ثم رحل.
كان الأمر بالنسبة للجميع صدمة ضخمة , لم يكن احد يتصور أن يمنعهم أحد عن الصلاة ,و لم يتخيل أحد كيف يمكن لهذا الشخص أن يفعلها. أبلغوا الشرطة و لكنهم كانوا  مشغولين بمؤتمر مهم يعقد في منطقة أخرى تقع تحت نطاق سلطة القسم, كما ان الموضوع ليس بهذه الخطورة يمكنهم الصلاة في مساجد أخرى بعيدة, لكنهم كانوا يخشون أن يغلق مداخل و مخارج الشوارع بعصابته كي لا يتمكنوا من الخروج. لم يعرفوا كيف يتصرفون, هناك من سافر لبلده كالأستاذ عبد الغني و أسرته فقد أراد الإبتعاد عن كل تلك المشاكل, هناك من ذهب للبيات عند اهله حتى تمر تلك الأزمة أما من بقي فقد ظل القلق يعتريه حتى جاء يوم الجمعة....
كان و لأول مرة كئيبا على الجميع, لا توجد نافذة مفتوحة, لم ينزل أي شخص من بيته, و على غير العادة لم يستمع أحد إلى التلاوة عبر مكبر الصوت الخاص بالمسجد, لم يجرؤ شخص واحد على النظر من النافذة حتى ليعرف ما الذي يحدث, هدوء شديد للغاية, حتى الآذان لم يتردد في ذلك اليوم لا في صلاة الجمعة و لا في أي صلاة أخرى, هدوء شديد كان يخيم على الجميع, الجميع يترقب كارثة و لكن شيئا لم يحدث,  لم يظهر "جابر" و لا أي فرد من عصابته, و لم يسمع احد عنه شيئا بعد ذلك قيل أنه مات و قيل أنه قتل و تفرقت عصابته و لكن لم يعرف أحد  حقيقة ما حدث, البعض  اعتقد أن الله قد خسف به الارض لأنه فكر في التعدي على حرمة المسجد , الكل كان سعيدا بزوال الخطر و عدم تحقق كل التهديدات التي توعد بها, و لم يفطن أحد إلى أنه نفذ تهديده بالفعل, و مع اختفاء أي أثر له كانت الأمور تعود تدريجيا سيرتها الاولى في المنطقة, و تناسى الجميع ما حدث و اعتبروا كأن شيئا لم يكن, حتى عندما عاد الشحاذون إلى المنطقة لم يكن هناك ما يضايق, لقد عادت الأمور لطبيعتها ..... و لعل تلك هي المشكلة!

علاء نبيل 8-1-2008

لوحة الجنرال الحزين-شعر

لوحة الجنرال الحزين
وقف على شاطئ البحر
   و الشمس تعانقه و السحاب
وقت الغروب..
مدجج بالسلاح
متوج بالنياشين
همس لنفسه..
"ياله من منظر بديع"
الحمار يخضب السماء
تتعانق الألوان
تثير في النفس الشجون
ترقرقت دمعة في عينه
"ياله من منظر بديع"
و خطر له...
لا بد أن يرسم هذا المشهد
***
اللون الأحمر
الدم
لون الحياة
و لون الموت
على شاطئ البحر..
سالت الدماء
تعالت الصرخات
اغرورقت العيون
يرسم الجنرال لوحته الفريدة
منهمك هو..
لا يسمع الصرخات
"مزيدٌ من الأحمر"
"هيا هلموا"
هكذا صرخ
و هكذا لبّوا
***
أيها الجنرال الحزين
تذكّر...
لست الأول ..
و لن تكون الاخير
قد يمحو الماء
آثار الدماء
و لكن لن يمحو عارها الزمن
و ستدفع الثمن
***
تأمل الجنرال لوحته الحيّة
ازداد حزنه
تمتم.."بعدُ لم تكتمل"
"لازال الأصفر ينقصها"
النار..
زهرة التطهير
العذاب السرمدي
تتآكل المنازل
تحترق الجثث
النار...النار
خفتت الصرخات
تُسمع بالكاد
طغى عليها..
 حفيف النار تأكل في الخشب
و على الأرض..
صورة محترقة
أمٌ و أبٌ و طفل
هل كانوا في وسط النار؟
أم كانوا في وسط الدم؟
***
الآن يقف
الآن يكّف
هاهي اللوحة..
أقرب للكمال
و لكن للاسف
عمّ الظلام
يغشي الليل المشهد
همس..
"ياللأسى"
سواد الليل
سواد القلب
ذابت اللوحة في الظلمات
لم يعد يَرى شئ
أضاع مجهوده هباء؟
"كلا".... هتف لنفسه الحزينة
"غداً من جديد... أعاود الكرَّة"
***
أيها الجنرال الكبير
متى ترتوي؟
ألا تكفيك الدماء
ألا يكفيك الدمار
صرخات الأمهات الثكلى
تيتيم الأطفال
أيها الجنرال...
متى تكتمل لوحتك؟
علاء نبيل
10-10-2013