إحتضار الثورة
هناك مشاهد من صباي تلازمني دوما و لا
تفارقني نظرا لتأثيرها الشديد علي و من هذه المشاهد مشهد إحتضار جدي لأمي - رحمة الله
عليه - و ذلك لأن جدي كان تأثيره علي عميقا و لحظة وفاته كانت أمرا غير متصور
بالنسبة لصبي لم يبلغ تمام نضجه العقلي بعد. أتذكر جيدا كيف اجتمع أخوالي و خالاتي
بالبيت و أتذكر أحاديثهم عن جدي و عن مرضه, اتذكر تدهور حالته حتى اضطررنا لنقله
للمستشفى, ما اتذكره جيدا هو تلك الاحاديث التي بدأت بعد تدهور الحالة, كانوا
يتحدثون عن مرض الموت و أن جدي في االنزع الاخير و أن موته قريب, ساعتها غضبت غضبا
شديدا على أخوالي و خالاتي, كيف يجزمون يموته و هو مازال حيا, إن هذا أسوأ من تمني
الموت له, مازال هناك أمل أن يشفى من مرضه و يعود ليجلس وسطنا, كيف يفقدون الأمل
بهذه السرعة, أليسوا أبنائه؟, فيما بعد خلال هذا الاسبوع تحسن جدي و نزعوا عنه
أجهزة التنفس الإصطناعي و كنت سعيدا بشدة بالطبع لتحسنه و لكن أيضا لأن منطقي
انتصر و لابد أن يشعر من ظن أن جدي في النزع الاخير بالخجل على أقل تقدير. و لكن
كما تحسنت حال جدي فجأة تدهورت حالته مرة أخرى و مات بنهاية الأسبوع, مشاهد
الجنازة لا تفارقني, كانت هذه أول حالة وفاة قريبة مني و اول مرة أحضر الدفن لهذا
انحفرت هذه المشاهد في ذاكرتي, فيما بعد أدركت كم كنت مخطئا في غضبي, فلم يكن حديث
اخوالي و خالاتي من باب اللامبالاة او الاستسلام أو حتى اليأس, بل كان نوع من
التحضير النفسي للفراق المحتوم, أيضا غاب عن ذهني وقتها ان جدي - رحمة الله عليه -
كان عمره يجاوز التسعين بثلاث أعوام و أن المرض كان شديدا عليه, و لذا كانت
احتماليات وفاته أكبر بكثير من احتماليات حياته و لكن عقلي الغض وقتها كان يرفض المنطق
لأنه كان متمسكا بوجود جدي معه و لو لأيام أو لحظات قليلة, أيضا لاحظت بعد ذلك ان
لمرض الموت علامات لا ندركها إلا بعد الموت و لكننا نشعر بها في وقت المرض بشكل أو
بآخر.
ما
أهمية تلك الحكاية؟, و لماذا أشغلك بها؟, أتصور أنك ربطت بين عنوان المقالة و بين
الحكاية بالفعل و لكن لابد من التوضيح, أتقمص اليوم تلك الشخصية الناضجة التي تشعر
باقتراب بالموت و تهيئ لنفسها و لغيرها موت المريض الذي ينتظر الجميع شفاؤه بمعجزة
ما, و برغم أن ذلك الصبي الذي لم ينضج بعد لازال يصارع بداخلي كي يتمسك بأي
إحتمالية و لو ضئيلة ببقاء المريض على قيد الحياة فاليوم الشخص الاكثر نضجا (من وجهة
نظري ) بداخلي هو الذي انتصر, و بالطبع
المريض هو الثورة لو لم تكن قد خمنت بعد. قبل أن تتهمني بالخيانة ليأسي دعني اؤكد
لك أن الموضوع لا علاقة له باليأس و الأمل, مجرد تحليل للعوارض و إستشراف للمستقبل
بناءا عليها, دعني أعرض بعضها عليك, علك
تجد تحليلا مختلفا عن تحليلي و تضحد ما ذهبت إليه بان الثورة في النزع الأخير.
أولا: عدم وصول الثورة للحكم:
يبرر كثير من الثوار أن عدم وجود نتائج
ايجابية للثورة على حياة المواطن يرجع إلى ان الثورة لم تحكم, و برغم صحة هذه
المقولة إلا أن هناك تجاهل لأسباب متعددة أدت إلى ابتعاد الثورة عن الحكم و الإكتفاء
بفكرة أن هناك مؤامرة من النظام القديم بمعاونة المجلس العسكري لمنع الثورة عن
الحكم وبرغم أن هذا سبب وجيه إلا أنه ليس السبب الأهم و لا السبب الوحيد, فالثوار
اكتفوا خلال المرحلة الإنتقالية الأولى بمحاولة التأثير في صانع القرار من خلال
التظاهرات و الفعاليات التي تشكل ضغطا على السلطة و ابتعدوا تماما عن دائرة صنع
القرار, إما ترفعا أو تعاليا أو جهلا فكانت النتيجة أن الفعل الايجابي الوحيد الذي
تقوم به الثورة هو التظاهرات أما الفعاليات السياسية بما فيها الحوار مع القوى
السياسية الغير ثورية فكانت المشاركة فيها على استحياء أو حتى تمت مقاطعتها, فترسخ
لدى الوعي الجمعي الشعبي فكرة أن الثوار ليس لديهم سوى المظاهرات و لا يقدمون حلول
للمشاكل بل صاروا هم انفسهم أحد المشاكل و ربما لعب الإعلام دورا بارزا في ترسيخ
تلك المقولة و لكن في رأيي السلبية السياسية للثوار كانت سببا رئيسيا في هذه
الصورة السيئة عن الثورة, كان لابد أن تشارك الثورة في الحكم لكي تستطيع أن تحدث
أي تغيير و لكن الجميع لم يدرك هذا إلا عندما صار من الصعب على الثورة أن تحكم و
أصبحت قدرتها على التأثير إيجابيا في المجتمع محدودة و لعل هذا سبب بُعد الثورة عن
رجل الشارع العادي الذي هو أحد العوارض الخطرة الدالة على إحتضار الثورة.
ثانيا: إنتخابات الرئاسة:
أُجبر الثوار و مؤيدي الثورة في المرحلة
الثانية من انتخابات الرئاسة على الإختيار بين شخصين يمثلان التيار المحافظ و يرجع
ذلك إلى فشل الثوار في تكوين جبهة موحدة فأكلوا من أصوات بعضهم البعض في حين حافظت
القوى التقليدية على تماسك كتلتها التصويتية, هذا الفشل الحاسم في الوصول لكرسي
الحكم من خلال الانتخابات بالرغم من الدعم الشعبي الواسع لممثلي التيار الثوري
حينذاك أضعف الثورة كثيرا و إن لم يقض عليها, كان هناك أمل في الشخص المحافظ الذي
لا يمثل النظام القديم و لكن توقع الثورية منه كان دربا من العبث و ربما يكون
مؤيدي الثورة الذين قاطعوا في المرحلة الثانية هم الأقرب فهما لهذه الحقيقة و لكن اختيار
المقاطعة كان يعكس الحالة السلبية التي صارت إليها الثورة.
ثالثا: الصراعات الأيدولوجية:
يمكن القول بإيجاز مخِّل أن مصر لم تعرف
السياسة قبل 25 يناير لذا لم يكن هناك فرصة للأيدولوجيات المختلفة أن تتنافس لغياب
المناخ و الإطار السياسي الذي يدعم هذا التنافس, كان المفروض بعد الثورة أن تجتهد
كل القوى الثورية و السياسية في بناء المجال السياسي الذي يسمح بتنافس صحي فإذا
بنا بالتنافس قد بدأ بدون وجود إطار يحميه و يحافظ عليه من الشطط, و إذا بكل صاحب
أيدولوجية يريد أن يلون مصر بلونه فارضا رؤيته على الجميع, و هكذا فوجئ المواطن
العادي بصراعات يسارية/ليبرالية, اسلامية/علمانية, بعيدة كل البعد عن حاجته و
معاناته التي ازدادت سوءا من بعد الثورة.
رابعا: 30 يونيو:
بغض النظر عن موقفك من 30 يونيو فإن ما حدث
فيها و ما حدث بعدها له مدلول سلبي جدا على 25 يناير, فحاجة قطاع شعبي واسع إلى
النزول لرفض النظام القائم وقتها و الذي جاء كنتيجة طبيعية للتطور السياسي بعد 25
يناير يعكس فشل رهيب للثورة في الوصول إلى قطاعات واسعة من المواطنين ربما تتحمل
الأنظمة التي حكمت بعد الثورة مسؤولية ذلك الفشل الذي أراه متعمدا و لكن الواقع
الذي خلقه 30 يونيو كان له أبلغ الأثر في وصول الثورة إلى النزع الأخير و ذلك
الواقع يتلخص في الآتي:
- صعود الفاشية و غياب الصوت الثوري: تبدو الأمور حالكة السواد بعد 30 يونيو
بالنسبة للثورة, فبينما قامت الثورة لفتح المجال السياسي لكافة التيارات فإن الخوف
المبالغ فيه من الإخوان و ضياع الدولة في الفوضى أدّى لموجة غير مسبوقة - بالنسبة لي
على الأقل – من فاشية شعبية تدعو إلى رفض و تخوين أي رأي مخالف لها و لا تكترث بأي
قدر من الدماء تراق في سبيل الحفاظ على الوطن كما تزعم, و بالطبع تصادم هذا
الاتجاه مع الثورة و الثوريين مما أدى لصعود موجات من تشويه الثورة و تخوين مؤيديها
و ليست هذا أسوأ النتائج فأخطاء الإخوان و جرائمهم بجانب تصعيدهم للمواجهة مع
السلطة الحالية و المجتمع أدّى إلى إضعاف صوت الثورة نتيجة لخوف الثوار من أن
تختلط مواقفهم مع الإخوان أو أن يستغل الإخوان تحركهم لخدمة مصالحهم السياسية
فاختار بعضهم الصمت و السكوت حتى تمر الأزمة و تتضح الأمور و تتاح الفرصة لهم
للتعبير عن فكرهم مما أضعف الصوت الثوري الآخر الذي كان ينادي بمواجهة الموجة
الفاشية الصاعدة و بضرورة وجود صوت ثوري قوي و موحد و لكن تداعي الأحداث أدى لغياب
هذا الصوت.
- تشرذم الثوار بين الثورة و القطبين
المتصارعين: خلقت حالة 30 يونيو قطبين أساسيين, السلطة المتمثلة في
الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي, و جبهة الإخوان و مؤيديهم و كما ذكرت آنفا ففي
البداية كان وجود الصوت الثوري على إستحياء و لعل أحد أسباب ذلك هو تشرذم مؤيدي
الثورة فمنهم من بقى مخلصا للثورة و أهدافها و منهم من أيد القيادة العسكرية بداعي
الخوف على الوطن من الإخوان و منهم من أيّد الإخوان, و بغض النظر عن قناعتي
الشخصية فهذا التشرذم أدى بطبيعة الحال إلى إضعاف الوجود الثوري في الشارع في
مواجهة القطبين المتصارعين و برغم أن الصوت الثوري بدأ في تصاعد تدريجي إلا أنه
لازال بعيدا عن صناعة زخم يمهد لبديل سياسي عن المطروح حاليا.
- صعود نجم السيسي: يحب المصريين فكرة الزعيم, بالنسبة لهم هو
أيقونة تطمئنهم على مستقبل البلاد و كانت فكرة الثورة بلا قائد فكرة جديدة على
المجتمع و أتصور أنه كانت هناك صعوبة ضخمة لابتلاع هذه الفكرة, منذ بداية الثورة
كنت أسمع كلمات مثل "هتشيلوا حسني مبارك و تجيبوا مين؟ وائل ولّا شادي ولّا
تامر" مصاحبة بضحكات رقيعة ساخرة و برغم قناعتي أن شاب مثل وائل غنيم يمثل
خامة طيبة للقيادة في المستقبل و لكن مغزى هذا السؤال كان مهما, من يقود البلاد و
من يستطيع أن يجمع الشعب حوله كزعيم و في نفس الوقت يبتعد عن الاستبداد الذي
عانينا منه؟ و برغم تناقض السؤال إلى حد العبث فإن غياب من يستطيع أن يملأ الفراغ
أدّى لتقبل المصريين بمن فيهم الثوار قيادة الجيش للمرحلة الإنتقالية و التي أعفتهم
من الإجابة على هذا السؤال الصعب, في خلال الفترة الانتقالية حاول الجميع ملأ هذا
الفراغ بعضهم محسوب على الثورة و البعض الآخر محسوب على النظام السابق و لكن لم
ينجح منهم سوى اثنان صنعا حالة من الالتفاف الشعبي الضخم حولهما و هما حازم أبو
اسماعيل و عمر سليمان و لكن نجمهما أفل سريعا نتيجة لمواءمات السياسية و هكذا
وجدنا أنفسنا أمام نسختين باهتتين منهما و هما محمد مرسي و أحمد شفيق و ربما يكون
ذلك هو أحد أسباب فشل مرسي في حكمه, أنه فشل في صياغة نفسه كزعيم و لم يحاول تقديم
بديل لفكرة الزعامة التي هي سبب في تخلفنا حتى الآن من وجهة نظري.
المهم بعد 30 يونيو بدأت صورة الزعيم المخلّص
تتشكل في عبد الفتاح السيسي, وصلات متعاقبة من النفاق و المديح و التغزل الصريح
فيه, لقد وجد المصريين زعيمهم المنشود, المشكلة هنا أن هذا الزعيم لا يؤمن بفكر الثورة و يؤمن أنها كانت مؤامرة على
البلاد, كما انه يتمتع بفكر فاشي تقليدي يسعى إلى إقصاء أي أفكار تختلف مع فكره
(راجع حواره مع المصري اليوم في الجزء الثالث منه), فإذا كان الزعيم المخلّص حبيب
الجماهير يعادي الثورة فكيف تتصور أن يكون حال الثورة بين الناس؟؟!!
هذه هي العوارض التي تدل أن الثورة في النزع
الأخير من وجهة نظري, فإذا طبقناها على االصراع الحالي لوجدنا أنه أيا كان المنتصر
في المعركة القادمة فإن الثورة ستنهزم, فإذا فاز الإخوان و كسروا السلطة الممثلة
في الجيش فستنهار الدولة و ندخل في صراع مرير على السلطة مثلما حدث في سوريا و
ليبيا (و هذه قناعتي و قد أكون مخطئا) و إذا انتصرت السلطة فبالتأكيد لن تسمح
بوجود معارضة و الحجة في ذلك حتى لا تدعم المعارضة عودة الإخوان
"الوحشين",و أتصور أنك لو خيرت المواطن العادي (خصوصا بعد ما يراه في
ليبيا و سوريا) بين دولة الظلم و اللا دولة فإنه سيختار بوضوح دولة الظلم خاصة لو
كان هذا الظلم لا يقع عليه بشكل مباشر و هذا اكبر موت للثورة لأنها لم تستطع ان
تخلق بديلا عن هذين الإختيارين.
و لكن هناك قبلة حياة ممكنة برغم صعوبتها و
هي تكمن في الحل السياسي و هو أن تجتمع القوى السياسية و الثورية على مائدة الحوار
و تنحي جانبا نظرتها الضيقة و مصالحها الفردية و تضع نصب أعينها مصلحة الوطن و
مستقبله و تقدم خلاله الضمانات اللازمة لبناء وطن يتسع للجميع و لا يكون للظلم فيه
مكان. فكرة خيالية و لن تحدث و لكن بدونها فلا أتصور أن يكون هناك حديث عن الثورة
أو نجاحها لأنه سيكون دربا من دروب الخيال مثل تلك الفكرة و حتى لو حدثت صحوة
مؤقتة فهي ستكون الصحوة الأخيرة قبل الموت التام, و برغم أني أتمنى أن أكون مخطئا
و لكن هذه هي الحالة بعوارضها كما اراها و لكم الحكم.
علاء نبيل
18-12-2013