Monday, December 30, 2013

صوت المعركة-شعر

صوت المعركة
و دقت طبول الحرب يا صديق
و زعق المنادي
"الحرب قامت"
و اختلفت الدروب
وافترقنا عند نهاية الطريق
و من كل ركن في المدينة
خرجوا يلبوا الدعوة
و اتحددت الفرق
و اتشكلت الصفوف
صفَّك قصاد صفِّي
نفس العيون
نفس المخاوف
نفس الوجوه
واقفين قصاد بعضنا
واقفين قصاد نفسنا
و اتردد السؤال
مين العاقل فينا و مين المجنون؟
مين القاتل فينا و مين المقتول؟
ده دمي اللي غرّق قميصك؟
و لا ده قميصي اللي بدمك اتلون ؟
مبقيتش لاقي الإجابة و تاه السؤال في الصدى
و فجأة... سمعت وسط الصدى صوتك بيهتف
"أنا الظالم و المظلوم, أنا القاتل و المقتول, دمي في رقبتك و رقبتك في دمي, مين فينا المجرم, مين فينا المسؤول"
و بعد الهتاف ساد الصمت و حل السكون
 ***
و في يوم مالوش شمس
فاقت المدينة عالمذبحة
الدم سال في الطريق
مبقاش فارق ده دم عدو أو صديق
و الخوف أصبح الحاكم
و الموت أصبح الواقع
و مات كل انسان
ما بقى إلا الحيوان
و في عز المعمعة
بحثت عن جثتك
تاهت وسط الجثث
و ريحة العفن ملت الأنوف
ويوم ما لقيت جثتك وسط العفن و الدمار
اتطلعت في الجثة و في ملامحها دققت
اتشوهت الملامح و اتحطم البنيان
ماعاد باين فيها أصل الانسان
مجرد كومة من لحم و عظام
دققت..
ثم للحقيقة المؤلمة انتبهت
مش جثتك
دي جثتي بعد مرور الزمان
***
كنا واحد و أصبحنا اتنين
و حتى طريقنا, بقى طريقين
و كل طريق آخره الهلاك
و كل طريق نهايته سواء
الموت هو النهاية
و يبقى السؤال
حنموت ازاي يا صاحبي؟
 و سلاحنا في وش بعض؟
و لَّا و احنا حاضنين لبعض؟
اختار ما بين الاتنين
مفيش خلاص
مفيش مفر
الموت هو المصير
***
و في عز دوران عجلة المذبحة
تمنيت لو هربنا من ذاك المصير
و انتهينا زي ما ابتدينا
أصحاب و أهل
 في مساكن الأحبة..عايشين
يغلف حياتنا روعة السكون
بعيد عن المجزرة
بعيد عن صوت المعركة
بعيد عن السجون
و لكن هيهات
الصوت اللي يصم الودان لازال موجود
و مصيرنا المحتوم إليه بيعود
(الدم, الموت, الخراب)
مغانم المعركة
و الزهد لا ينفع وقت الحروب
نصيبك يصيبك
(دم, موت, خراب)
اختار مكسبك يا رفيق الدروب
و لا تنسى السؤال
(ليه و إمتى و إزاي) بقى دا هوالحال؟
الأخ في دم أخوه بيستبيح
اسأل...
و خلِّي السؤال يتردد في الكون الفسيح
لعل في الإجابة الخلاص
اسأل..
ليه صراخ البرئ مكتوم
و ليه صوت المعركة بيعلى و بيشتد
اسأل..
و لما تلاقي الجواب
ساعتها يمكن نعود احباب
و ننتصر..في المعركة


علاء نبيل

30-12-2013

Wednesday, December 18, 2013

إحتضار الثورة-مقال

إحتضار الثورة
هناك مشاهد من صباي تلازمني دوما و لا تفارقني نظرا لتأثيرها الشديد علي و من هذه المشاهد مشهد إحتضار جدي لأمي - رحمة الله عليه - و ذلك لأن جدي كان تأثيره علي عميقا و لحظة وفاته كانت أمرا غير متصور بالنسبة لصبي لم يبلغ تمام نضجه العقلي بعد. أتذكر جيدا كيف اجتمع أخوالي و خالاتي بالبيت و أتذكر أحاديثهم عن جدي و عن مرضه, اتذكر تدهور حالته حتى اضطررنا لنقله للمستشفى, ما اتذكره جيدا هو تلك الاحاديث التي بدأت بعد تدهور الحالة, كانوا يتحدثون عن مرض الموت و أن جدي في االنزع الاخير و أن موته قريب, ساعتها غضبت غضبا شديدا على أخوالي و خالاتي, كيف يجزمون يموته و هو مازال حيا, إن هذا أسوأ من تمني الموت له, مازال هناك أمل أن يشفى من مرضه و يعود ليجلس وسطنا, كيف يفقدون الأمل بهذه السرعة, أليسوا أبنائه؟, فيما بعد خلال هذا الاسبوع تحسن جدي و نزعوا عنه أجهزة التنفس الإصطناعي و كنت سعيدا بشدة بالطبع لتحسنه و لكن أيضا لأن منطقي انتصر و لابد أن يشعر من ظن أن جدي في النزع الاخير بالخجل على أقل تقدير. و لكن كما تحسنت حال جدي فجأة تدهورت حالته مرة أخرى و مات بنهاية الأسبوع, مشاهد الجنازة لا تفارقني, كانت هذه أول حالة وفاة قريبة مني و اول مرة أحضر الدفن لهذا انحفرت هذه المشاهد في ذاكرتي, فيما بعد أدركت كم كنت مخطئا في غضبي, فلم يكن حديث اخوالي و خالاتي من باب اللامبالاة او الاستسلام أو حتى اليأس, بل كان نوع من التحضير النفسي للفراق المحتوم, أيضا غاب عن ذهني وقتها ان جدي - رحمة الله عليه - كان عمره يجاوز التسعين بثلاث أعوام و أن المرض كان شديدا عليه, و لذا كانت احتماليات وفاته أكبر بكثير من احتماليات حياته و لكن عقلي الغض وقتها كان يرفض المنطق لأنه كان متمسكا بوجود جدي معه و لو لأيام أو لحظات قليلة, أيضا لاحظت بعد ذلك ان لمرض الموت علامات لا ندركها إلا بعد الموت و لكننا نشعر بها في وقت المرض بشكل أو بآخر.
 ما أهمية تلك الحكاية؟, و لماذا أشغلك بها؟, أتصور أنك ربطت بين عنوان المقالة و بين الحكاية بالفعل و لكن لابد من التوضيح, أتقمص اليوم تلك الشخصية الناضجة التي تشعر باقتراب بالموت و تهيئ لنفسها و لغيرها موت المريض الذي ينتظر الجميع شفاؤه بمعجزة ما, و برغم أن ذلك الصبي الذي لم ينضج بعد لازال يصارع بداخلي كي يتمسك بأي إحتمالية و لو ضئيلة ببقاء المريض على قيد الحياة فاليوم الشخص الاكثر نضجا (من وجهة نظري )  بداخلي هو الذي انتصر, و بالطبع المريض هو الثورة لو لم تكن قد خمنت بعد. قبل أن تتهمني بالخيانة ليأسي دعني اؤكد لك أن الموضوع لا علاقة له باليأس و الأمل, مجرد تحليل للعوارض و إستشراف للمستقبل بناءا عليها,  دعني أعرض بعضها عليك, علك تجد تحليلا مختلفا عن تحليلي و تضحد ما ذهبت إليه بان الثورة في النزع الأخير.
أولا: عدم وصول الثورة للحكم:
يبرر كثير من الثوار أن عدم وجود نتائج ايجابية للثورة على حياة المواطن يرجع إلى ان الثورة لم تحكم, و برغم صحة هذه المقولة إلا أن هناك تجاهل لأسباب متعددة أدت إلى ابتعاد الثورة عن الحكم و الإكتفاء بفكرة أن هناك مؤامرة من النظام القديم بمعاونة المجلس العسكري لمنع الثورة عن الحكم وبرغم أن هذا سبب وجيه إلا أنه ليس السبب الأهم و لا السبب الوحيد, فالثوار اكتفوا خلال المرحلة الإنتقالية الأولى بمحاولة التأثير في صانع القرار من خلال التظاهرات و الفعاليات التي تشكل ضغطا على السلطة و ابتعدوا تماما عن دائرة صنع القرار, إما ترفعا أو تعاليا أو جهلا فكانت النتيجة أن الفعل الايجابي الوحيد الذي تقوم به الثورة هو التظاهرات أما الفعاليات السياسية بما فيها الحوار مع القوى السياسية الغير ثورية فكانت المشاركة فيها على استحياء أو حتى تمت مقاطعتها, فترسخ لدى الوعي الجمعي الشعبي فكرة أن الثوار ليس لديهم سوى المظاهرات و لا يقدمون حلول للمشاكل بل صاروا هم انفسهم أحد المشاكل و ربما لعب الإعلام دورا بارزا في ترسيخ تلك المقولة و لكن في رأيي السلبية السياسية للثوار كانت سببا رئيسيا في هذه الصورة السيئة عن الثورة, كان لابد أن تشارك الثورة في الحكم لكي تستطيع أن تحدث أي تغيير و لكن الجميع لم يدرك هذا إلا عندما صار من الصعب على الثورة أن تحكم و أصبحت قدرتها على التأثير إيجابيا في المجتمع محدودة و لعل هذا سبب بُعد الثورة عن رجل الشارع العادي الذي هو أحد العوارض الخطرة الدالة على إحتضار الثورة.
ثانيا: إنتخابات الرئاسة:
أُجبر الثوار و مؤيدي الثورة في المرحلة الثانية من انتخابات الرئاسة على الإختيار بين شخصين يمثلان التيار المحافظ و يرجع ذلك إلى فشل الثوار في تكوين جبهة موحدة فأكلوا من أصوات بعضهم البعض في حين حافظت القوى التقليدية على تماسك كتلتها التصويتية, هذا الفشل الحاسم في الوصول لكرسي الحكم من خلال الانتخابات بالرغم من الدعم الشعبي الواسع لممثلي التيار الثوري حينذاك أضعف الثورة كثيرا و إن لم يقض عليها, كان هناك أمل في الشخص المحافظ الذي لا يمثل النظام القديم و لكن توقع الثورية منه كان دربا من العبث و ربما يكون مؤيدي الثورة الذين قاطعوا في المرحلة الثانية هم الأقرب فهما لهذه الحقيقة و لكن اختيار المقاطعة كان يعكس الحالة السلبية التي صارت إليها الثورة.
ثالثا: الصراعات الأيدولوجية:
يمكن القول بإيجاز مخِّل أن مصر لم تعرف السياسة قبل 25 يناير لذا لم يكن هناك فرصة للأيدولوجيات المختلفة أن تتنافس لغياب المناخ و الإطار السياسي الذي يدعم هذا التنافس, كان المفروض بعد الثورة أن تجتهد كل القوى الثورية و السياسية في بناء المجال السياسي الذي يسمح بتنافس صحي فإذا بنا بالتنافس قد بدأ بدون وجود إطار يحميه و يحافظ عليه من الشطط, و إذا بكل صاحب أيدولوجية يريد أن يلون مصر بلونه فارضا رؤيته على الجميع, و هكذا فوجئ المواطن العادي بصراعات يسارية/ليبرالية, اسلامية/علمانية, بعيدة كل البعد عن حاجته و معاناته التي ازدادت سوءا من بعد الثورة.
رابعا: 30 يونيو:
بغض النظر عن موقفك من 30 يونيو فإن ما حدث فيها و ما حدث بعدها له مدلول سلبي جدا على 25 يناير, فحاجة قطاع شعبي واسع إلى النزول لرفض النظام القائم وقتها و الذي جاء كنتيجة طبيعية للتطور السياسي بعد 25 يناير يعكس فشل رهيب للثورة في الوصول إلى قطاعات واسعة من المواطنين ربما تتحمل الأنظمة التي حكمت بعد الثورة مسؤولية ذلك الفشل الذي أراه متعمدا و لكن الواقع الذي خلقه 30 يونيو كان له أبلغ الأثر في وصول الثورة إلى النزع الأخير و ذلك الواقع يتلخص في الآتي:
- صعود الفاشية و غياب الصوت الثوري: تبدو الأمور حالكة السواد بعد 30 يونيو بالنسبة للثورة, فبينما قامت الثورة لفتح المجال السياسي لكافة التيارات فإن الخوف المبالغ فيه من الإخوان و ضياع الدولة في الفوضى أدّى لموجة غير مسبوقة - بالنسبة لي على الأقل – من فاشية شعبية تدعو إلى رفض و تخوين أي رأي مخالف لها و لا تكترث بأي قدر من الدماء تراق في سبيل الحفاظ على الوطن كما تزعم, و بالطبع تصادم هذا الاتجاه مع الثورة و الثوريين مما أدى لصعود موجات من تشويه الثورة و تخوين مؤيديها و ليست هذا أسوأ النتائج فأخطاء الإخوان و جرائمهم بجانب تصعيدهم للمواجهة مع السلطة الحالية و المجتمع أدّى إلى إضعاف صوت الثورة نتيجة لخوف الثوار من أن تختلط مواقفهم مع الإخوان أو أن يستغل الإخوان تحركهم لخدمة مصالحهم السياسية فاختار بعضهم الصمت و السكوت حتى تمر الأزمة و تتضح الأمور و تتاح الفرصة لهم للتعبير عن فكرهم مما أضعف الصوت الثوري الآخر الذي كان ينادي بمواجهة الموجة الفاشية الصاعدة و بضرورة وجود صوت ثوري قوي و موحد و لكن تداعي الأحداث أدى لغياب هذا الصوت.
­- تشرذم الثوار بين الثورة و القطبين المتصارعين: خلقت حالة 30 يونيو قطبين أساسيين, السلطة المتمثلة في الجيش بقيادة عبد الفتاح السيسي, و جبهة الإخوان و مؤيديهم و كما ذكرت آنفا ففي البداية كان وجود الصوت الثوري على إستحياء و لعل أحد أسباب ذلك هو تشرذم مؤيدي الثورة فمنهم من بقى مخلصا للثورة و أهدافها و منهم من أيد القيادة العسكرية بداعي الخوف على الوطن من الإخوان و منهم من أيّد الإخوان, و بغض النظر عن قناعتي الشخصية فهذا التشرذم أدى بطبيعة الحال إلى إضعاف الوجود الثوري في الشارع في مواجهة القطبين المتصارعين و برغم أن الصوت الثوري بدأ في تصاعد تدريجي إلا أنه لازال بعيدا عن صناعة زخم يمهد لبديل سياسي عن المطروح حاليا.
- صعود نجم السيسي: يحب المصريين فكرة الزعيم, بالنسبة لهم هو أيقونة تطمئنهم على مستقبل البلاد و كانت فكرة الثورة بلا قائد فكرة جديدة على المجتمع و أتصور أنه كانت هناك صعوبة ضخمة لابتلاع هذه الفكرة, منذ بداية الثورة كنت أسمع كلمات مثل "هتشيلوا حسني مبارك و تجيبوا مين؟ وائل ولّا شادي ولّا تامر" مصاحبة بضحكات رقيعة ساخرة و برغم قناعتي أن شاب مثل وائل غنيم يمثل خامة طيبة للقيادة في المستقبل و لكن مغزى هذا السؤال كان مهما, من يقود البلاد و من يستطيع أن يجمع الشعب حوله كزعيم و في نفس الوقت يبتعد عن الاستبداد الذي عانينا منه؟ و برغم تناقض السؤال إلى حد العبث فإن غياب من يستطيع أن يملأ الفراغ أدّى لتقبل المصريين بمن فيهم الثوار قيادة الجيش للمرحلة الإنتقالية و التي أعفتهم من الإجابة على هذا السؤال الصعب, في خلال الفترة الانتقالية حاول الجميع ملأ هذا الفراغ بعضهم محسوب على الثورة و البعض الآخر محسوب على النظام السابق و لكن لم ينجح منهم سوى اثنان صنعا حالة من الالتفاف الشعبي الضخم حولهما و هما حازم أبو اسماعيل و عمر سليمان و لكن نجمهما أفل سريعا نتيجة لمواءمات السياسية و هكذا وجدنا أنفسنا أمام نسختين باهتتين منهما و هما محمد مرسي و أحمد شفيق و ربما يكون ذلك هو أحد أسباب فشل مرسي في حكمه, أنه فشل في صياغة نفسه كزعيم و لم يحاول تقديم بديل لفكرة الزعامة التي هي سبب في تخلفنا حتى الآن من وجهة نظري.
المهم بعد 30 يونيو بدأت صورة الزعيم المخلّص تتشكل في عبد الفتاح السيسي, وصلات متعاقبة من النفاق و المديح و التغزل الصريح فيه, لقد وجد المصريين زعيمهم المنشود, المشكلة هنا أن هذا الزعيم لا  يؤمن بفكر الثورة و يؤمن أنها كانت مؤامرة على البلاد, كما انه يتمتع بفكر فاشي تقليدي يسعى إلى إقصاء أي أفكار تختلف مع فكره (راجع حواره مع المصري اليوم في الجزء الثالث منه), فإذا كان الزعيم المخلّص حبيب الجماهير يعادي الثورة فكيف تتصور أن يكون حال الثورة بين الناس؟؟!!
هذه هي العوارض التي تدل أن الثورة في النزع الأخير من وجهة نظري, فإذا طبقناها على االصراع الحالي لوجدنا أنه أيا كان المنتصر في المعركة القادمة فإن الثورة ستنهزم, فإذا فاز الإخوان و كسروا السلطة الممثلة في الجيش فستنهار الدولة و ندخل في صراع مرير على السلطة مثلما حدث في سوريا و ليبيا (و هذه قناعتي و قد أكون مخطئا) و إذا انتصرت السلطة فبالتأكيد لن تسمح بوجود معارضة و الحجة في ذلك حتى لا تدعم المعارضة عودة الإخوان "الوحشين",و أتصور أنك لو خيرت المواطن العادي (خصوصا بعد ما يراه في ليبيا و سوريا) بين دولة الظلم و اللا دولة فإنه سيختار بوضوح دولة الظلم خاصة لو كان هذا الظلم لا يقع عليه بشكل مباشر و هذا اكبر موت للثورة لأنها لم تستطع ان تخلق بديلا عن هذين الإختيارين.    
و لكن هناك قبلة حياة ممكنة برغم صعوبتها و هي تكمن في الحل السياسي و هو أن تجتمع القوى السياسية و الثورية على مائدة الحوار و تنحي جانبا نظرتها الضيقة و مصالحها الفردية و تضع نصب أعينها مصلحة الوطن و مستقبله و تقدم خلاله الضمانات اللازمة لبناء وطن يتسع للجميع و لا يكون للظلم فيه مكان. فكرة خيالية و لن تحدث و لكن بدونها فلا أتصور أن يكون هناك حديث عن الثورة أو نجاحها لأنه سيكون دربا من دروب الخيال مثل تلك الفكرة و حتى لو حدثت صحوة مؤقتة فهي ستكون الصحوة الأخيرة قبل الموت التام, و برغم أني أتمنى أن أكون مخطئا و لكن هذه هي الحالة بعوارضها كما اراها و لكم الحكم.
علاء نبيل

18-12-2013 

Sunday, December 15, 2013

عن ست البنات-مقال

عن ست البنات
كل يوم ذكرى جديدة لمأساة اختبرت انسانيتنا من قبل و تختبرها من بعد. هكذا صار حالنا, ذكرى تجر وراءها ذكرى, نحاول ان نذكر الناس بما جرى, نحاول أن نذكرهم بثورتنا و أهدافها و ما آلت إليه من خراب تعمّده أهل السلطة, و في أغلب الأحيان لا يوجد من يستجيب بل في العادة فالناس تهاجم من ثار لأجلهم و من ضحى لأجلهم  و من مات لاجلهم, و هكذا تكتشف ان أغلب الناس قد سقطوا في إختبار الانسانية و أنك تؤذن في صحراء قفرٍ.
تحلق علينا في هذه الأيام ذكرى أحداث مجلس الوزراء, و كالعادة يثار الجدل البيزنطي المعتاد, هل ننزل في المظاهرات لنحيي الذكرى أم لا, هل من قتلوا و سحلوا و اعتقلوا كانوا بلطجية مجرمين أم لا, أسئلة و حوارات و جدل و تسخين إعلامي يتجاهل الأمور المهمة ليدخلك في نقاشات فرعية لا طائل منها و هكذا تتوه الحقيقة. مجلس الوزراء يعني عماد عفت و يعني علاء عبد الهادي و يعني ست البنات, نتذكره بصور القتلى يتم تجميعهم مع المهملات, نتذكره بالقصة الوهمية لماتش الكرة الذي أدى لصدام وهمي أدى لإصطدام عنيف مع أطراف كل هدفها كان حماية الثورة من أن تسرق أو أن يتم وأدها. بالنسبة لي استفحلت صدمتي في المجتمع المصري بسبب تلك الأحداث و لعل ذلك يتلخص في قصة ست البنات التي كانت سبب في كشف غياب الضمير و الانسانية عند الكثير من الشخصيات التي افترضنا أن لديها قسطاً من ذلك.
 دائما ما أقول لمعارفي, "ما نمر به الآن هو ذنب هذه الفتاة", و يتعجبون, كيف أتجاهل كل القتل و الاعتقالات و الضرب و السحل في السنوات الثلاث الماضية لأركز فقط على تلك الواقعة بالتحديد, و لكني أجيبهم بأن كل تلك الأحداث الماضية تدخل في إطار الصراع بين سلطة مجرمة و افراد يسعون لرفع الظلم أما واقعة الفتاة فهي كشفت المجتمع و عّرته تماما, فالمجتمع -لا السلطة- كان هو المجرم في هذه المرة, جَبُلنا على قول إن العرب لديهم مروءة و إن المصريين لديهم شهامة فإذا بنا نكتشف أن المروءة اندثرت و الشهامة ماتت.   
القصة ببساطة عن جنود أخذوا أوامرهم بفض اعتصام بالقوة, فقاموا بضرب و سحل كل من تقع أيديهم عليه, فشاهدنا مشاهد مروعة لفتيات تضربن و تسحلن و يقبض عليهن لأن مزاج من في السلطة كان يريد الخلاص من إزعاج هذا الاعتصام أيا كان الثمن. ثم يأتي المشهد الصادم لثلاثة جنود يضربون فتاة بعنف شديد و يسحلونها و يضربون كل من يحاول إنقاذها من أيديهم ثم من فرط عنفهم تنحسر ملابس الفتاة كاشفة عن جسدها في مشهد يفضح إجرام السلطة و استبدادها. كان يمكن أن يتوقف المشهد عند ذلك, كان يمكن تبريره بأنه عمل فردي و أن الجنود تصرفوا بعنف مبالغ فيه و سيحاسبون بشدة و لكن إرادة الله كانت أن ينفضح هذا المجتمع المريض, فإذا بمجموعة من مرضى القلوب يدافعون عن الجرم و المجرم و يلقون باللوم عل الفتاة, فجأة تحول السؤال من التساؤل عن الجرم و المجرم إلى تساؤلات بيزنطية مثل "إيه اللي ودّاها هناك", "في حد يلبس عباية بكباسين على اللحم", و مجموعة من الأسئلة المريضة التي تهدف لتبرئة المجرم من إجرامه و إلقاء اللوم على الفتاة في محاولة لقلب المنطق و خلق صورة وهمية أن الفتاة أرادت تشويه الجنود و الجيش المسكين فذهبت إليهم و استفزتهم لكي تُضرَب و تتعرى و يتم إحراج الجيش, مشكلتي الحقيقية ليست في هذا الكلام المريض, مشكلتي أن الناس أرادت تصديق هذا برغم ان الحقيقة واضحة أمام أعينهم, لأكتشف أنني أمام مجتمع مريض بحق. جتى الجنود حاولوا ستر الفتاة التي عرّوها بينما لم يستحِ القابعون في البيوت و الجالسون في استوديوهات الحوار عن تعريتها و قتلها كل يوم, لم ينتبه الجمع إلى ضعف منطقهم فالفتاة لو أرادت تشويه الجيش لكانت شاركتهم مقاعدهم الوثيرة في استوديوهات التشويه المتخفي تحت راية الحوار, و لكنها صمتت حماية لنفسها من غدرهم. تجاهلوا تماما الفتاة التي حاولت إنقاذ اختها التي تضرب و تسحل بمنتهى القسوة فإذا بها تضرب هي أيضا حتى اختفت ملامح وجهها تماما, تجاهلوا كل هذا ليفرضوا روايتهم المزيفة المتهافتة, و مع ذلك فمشكلتي ليست في تلك الرواية الكاذبة و  لكن في المجتمع الذي روّج بقوة لهذه الرواية التي تمجد في المجرم و تضطهد الضحية, رأيت أشخاص من أقاربي من مختلف التوجهات السياسية و يحملون  أعلى الشهادات يروجون لتلك الرواية, رأيت من الاسلاميين من يبرر للجيش ما فعله وقتها كي تمر تلك الواقعة بسلام و يضيع الحق, رأيت من المثقفين و السياسيين من يفعل مثلهم حرصا على الظالم و كرها في المظلوم. كانوا يقتلون الفتاة كل يوم بألسنتهم الحقيرة إلا من رحم ربي بالطبع فلا أعمم هاهنا و لكن أزعم ان غالبية المجتمع كان يحتاج لأن يلقي الذنب على الفتاة المكلومة في نفسها لكي يبرر لنفسه قبول تلك الواقعة التي تسبب غليان الدم في عروق أي حُر, بل إن أكبر رأس في الدولة وقف ليبرر و يكذب أمام الصحافة الاجنبية بأن الفتاة هي التي استفزت الجنود بملابسها!!!!! و لم لا و قد أعطوه جميعا حق الكذب بصكوك البراءة المزيفة التي منحوه إياها من قبل.
حتى على الجانب الذي يدافع عن الفتاة و عما حدث لها كان هناك من يستغل الصورة الكاشفة الفاضحة للمجتمع لكي يساوم على مصالح له مع السلطة فكان كمن يطعنها في ظهرها ليجهز عليها تماما. الفتاة التي لا نعلم اسمها فسميناها "ست البنات" صارت دليلا على الانحراف المجتمعي عن قيم الحق و النبل و الشهامة, و صارت رمزا لكل الفتيات التي تقاوم الظلم و الطغيان, هي أقوى و أشرف من رجال قبعوا في بيوتهم يتفرجون علي العهر الذي يردده السادة الغير محترمين فيصفقون له, هي أشجع من هؤلاء الذي غضوا البصر عن الظلم الذي يصيب غيرهم مخافةً أن يصيبهم. هذ ا المجتمع مريض يمجد في الظالم و يضطهد المظلوم و ما حدث لتلك الفتاة أراه ظلما عظيما اشترك فيه العديد من عناصر المجتمع, اختر من شئت فكلهم جاروا على تلك الفتاة و ساهموا في إضاعة حقها عدا قلة قليلة انتصرت لها و دافعت عن حقها بأدواتهم الضعيفة.  
  الحقيقة لا أستطيع أن أتخيل شعور تلك الفتاة, كيف يمكنها ان تتعامل مع المجتمع بعد ما حدث, كيف لها ان تثق في شيوخ دين استباحوا عرضها و كيف لها ان تثق في سياسيين و مثقفين انتهكوها بألسنتهم,كيف لها أن تحافظ على حبها لبلدها بعد ما حدث, لا اعلم كيف يمكنها ان تتحمل كل ذلك و اسأل الله دوما أن ينصرها و يثبتها و أن يأتي لها بحقها. لا أعلم إن كان ممكنا لها أن تقرأ هذه الكلمات أم لا و لكني أحب أن اعتذر لها, فقد عجزت ان أدافع عنها أو ان أدفع عنها الظلم برغم محاولاتي البسيطة, اعتذر لها لاني جزء من هذا المجتمع المنحرف حتى لو كنت أرفض سلوكياته و ظلمه, اعتذر لها لأني لا أملك سوى هذه الكلمات البائسة كي اعبر بها عن المأساة التي حدثت لها. أشعر بشدة أن رد فعل المجتمع بكل طوائفه تجاه هذه الفتاة هو سبب لما مررنا و نمر به حتى الآن, لأن الله لا يرضى بالظلم, و هذا مجتمع ظالم يستبيح الاعراض و الأنفس إن كان في هذا مصلحته و لا تتصور أني اتحدث عن فصيل بعينه و لكن أتحدث عن المجتمع بتركيبته المعقدة  و التي تتشابه فيها جميع الفصائل. أسأل الله ان يسامحنا على عجزنا و ضعفنا و تقصيرنا في إصلاح هذا المجتمع المريض, و أتمنى أن تجد "ست البنات" في قلبها متسعا لكي تسامح من عجزوا عن الإتيان لها بحقها, و عسى أن يأتي يوم نستطيع فيه أن نأتي لها و لكل المظلومين بالحقوق الضائعة, و حتى هذا الأوان فعلينا أن نسعى و ليس علينا إدراك النجاح.
علاء نبيل

13-12-2013