عن العلم في بلد اللاعلم
في أوروبا و الدول المتقدمة يهتمون بالعلم و
ينفقون عليه بسخاء لأنه سبيل تقدم و نماء أي دولة و هو الوسيلة الأساسية لحل أي
مشكلة تواجهها الدولة. و في الدول النامية و برغم انتشار الخرافة و الجهل فإنهم
يسعون بكل السبل للحاق بركب العلم علهم يستطيعون نقل بلادهم إلى وضع أفضل بين بلاد
العالم. أما في بلادنا, فلا يوجد لدينا علم إلا من رحم ربي, فما لدينا هنا هو خليط
من (الفهلوة) و بعض الخبرة و شهادات تبروز و تعلق بلا أي مردود حقيقي لا على الفرد
و لا على المجتمع.
آسف إن كنت قاسيا في رؤيتي و لكن أتصور ان
بلادنا تجافي العلم إلا من رحم ربي و لعل من اقترب من مجال البحث العلمي يدرك عمق
مأساتنا العلمية في مصر برغم وجود نماذج مضيئة, في بلادنا فقط يتم تصديق النصاب
باسم العلم و تكذيب العالم. و لأن العلم في بلادنا غائب و الانجاز فيه قليل لذلك
يمكنك أن تتخيل دهشتي عندما أعلن المتحدث العسكري عن اختراعات قامت بها
المؤسسة العسكرية للكشف عن الفيروسات المستعصية مثل الايدز و فيروس إلتهاب الكبد
الوبائي سي, بل و اعلنوا عن جهاز آخر يعالج هذه الفيروسات نهائيا!!!!!
ردود الفعل تراوحت بين السخرية و التهليل, و
الحقيقة إن أي كشف علمي لا يعلن عنه بهذه الطريقة و هناك خطوات عديدة في البحث و
النشر و الانتاج قبل الإعلان عن أي نتائج خاصة لو كانت نتائج إعجازية كالتي أعلن
عنها الجيش, من بين كل التعليقات هناك تعليق للمهندسة دينا سيد و هو يلخص المشكلة
في طريقة الاعلان و كيف يجافي منهجية البحث العلمي التي استقر عليها العالم, أرجو
قراءة تدوينتها بعناية لأنها قدمت فبه ملخصا لأساسيات البحث و المنهج العلمي التي
لن تتوافر في الإعلان عن الابتكارات العلمية المزعومة و هي أيضا توضح لماذا يشكل
هذا الإعلان كارثة على البحث العلمي في مصر:
المشكلة أن الأمر تم تسييسه تمام فمؤيدي
السيسي (و بالتالي الجيش) يصدقون تماما هذا الأمر و يرفضون أي نقاش أو تشكيك أو
نقد و المعارضين يسخرون و يرفضون التصديق (لأسباب سياسية) و يضيع وسط الطرفين
الأصوات العاقلة التي تحاول أن تستبين الحقيقة, لهذا أحاول أن أقدم في هذه
التدوينة مناقشة علمية بسيطة حول الاختراعات المعلن عنها و حول مدى مصداقيتها بقدر
المعلومات البسيطة المتوفرة لدي....
دعني أقدم لك أولا تلخيصا مهما حول التحديات
في تشخيص فيروس سي و الايدز لكي تعلم مدى أهمية أي بحث علمي يحاول تقديم وسائل
فعالة لتشخيص مثل تلك الأمراض المستعصية.
كما تعلم فإن فيروس سي من أكثر الأمراض
انتشارا في مصر و التقدير أن هناك من 10-15% مصابين به في مصر و هي من اعلى النسب
عالميا, التشخيص السريع و السليم قد يساهم في العلاج المبكر للمرض أو منع حدوثه و
انتشاره هناك طريقتان لتشخيص المرض حاليا:
-هناك الطريقة الرخيصة و هي الكشف عن
الجسيمات المضادة لفيروس سي في الدم و لكنها غير دقيقة و لا يمكنها أن الكشف عن
طور المرض (مزمن أم حاد)
-و هناك الطريقة الأكثر فعالية و هي البي سي آر و هي
تقوم بمضاعفة أعداد الحمض النووي الخاص بالفيروس (آر إن إيه) و لكنها مكلفة للغاية
خصوصوا و أنها تتم في بلد نامي يشكل الفقراء فيه القطاع الاكبر من المصابين بالمرض.
يمكنك هنا أن تلاحظ ان هناك فجوة بين فعالية
الاختبار و سعره, و دور البحث العلمي أن يملأ تلك الفجوة ببدائل يمكنها أن تقدم
فعالية عالية بسعر رخيص و الحقيقة أن البحث العلمي يبذل جهدا كبير بهذا الخصوص,
فمثلا هناك فريق مصري قام ببحث لتحقيق هذا الغرض فيما يتعلق بالكشف عن فيروس سي و
هو بحث علمي أكثر من ممتاز استخدموا فيه نانو الذهب بطرييقة بسيطة و عملية و أقل
من تكلفة الاختبار الحالي بحوالي عشر مرات و بكفاءة مماثلة:
أما بالنسبة للإيدز فالحقيقة أن هناك العديد
من الاختبارات الفعالة و السريعة التي تكشف عنه حاليا و لكن التحدي يكمن في ايجاد
وسيلة للكشف عنه لا تتطلب سحب عينات لتقليل مخاطر انتقال العدوى.
هنا نأتي لاختراع الجيش - محور الجدل- , فهو
يقدم لنا أداة تشخيص عن بعد لا تتطلب سحب العينات معتمدة فقط على ما يسمى بالبصمة
الكهرومغنطيسية للفيروس و التي يتم تسجيل ترددها على شريحة خاصة بالجهاز فإذا وجد
الفيروس يحدث تطابق بين الترددين يؤدي لتحرك المؤشر و هو هنا لا يدعي معرفته بطور
المرض و لكن فقط بوجود الفيروس أيا كان نوعه, وفقا للنظرية فنحن أمام سبق مهم (لو
صح) ربما يغير من أدوات التشخيص في العالم كله و السؤال هنا ما مدى مصداقية نجاح
هذا الجهاز؟
حسنا, الأمر معقد, حاولت تتبع النظرية
(البصمة الكهرومغناطيسية) من خلال مراجعهم المنشورة في الورقة البحثية فلم أجد لها
أثرا يذكر و إنما وجدت أبحاثا حول ترجمة إشارات مراكز الفعالية الحيوية في
البروتينات و الفيروسات و لكني سأفترض حسن النية و أنني لم أبحث بالشكل الكافي و سأفترض هاهنا
صحة النظرية بأن هناك بصمة كهرومغتاطيسية لكل المركبات الكيميائية و الحيوية (و هو
شئ وارد نظرا لأن كل المواد الكيميائية و التفاعلات تتضمن حركة الإلكترونات) و لكن
قياسها من جسم الانسان ليس أمرا هينا و لا توجد ادوات استطاعت تحقيق ذلك وفقا
للورقة البحثية نفسها, لا ادري كيف تغلبوا على هذه العقبة و لا يوجد شرح كافي في
البحث للجهاز الذي ابتكروه, و الحقيقة لا أعرف إن كان جهازهم لديه القدرة على
التقاط موجات ضعيفة كتلك و لا أعرف إن كان هناك جهاز في العالم يمكنه فعل ذلك و
لكن ليست لدي خبرة كافية في المجال الهندسي لذا سأترك التعليق في هذه النقطة لمن
يفهم في ذلك.
النقطة الأهم هي النتائج و عينات البحث,
فالبحث لم يجر فقط في مصر و لكن في الهند و باكستان و النتائج مذهلة حقا و هي الشئ
الوحيد الذي يعطي مصداقية علمية لهذا البحث من وجهة نظري الشخصية و كان من المفترض
أن تؤهل هذه النتائج الورقة البحثية لكي تنشر في أفضل الدوريات العلمية فلماذا لم
يحدث هذا و نشر في دورية مشكوك في مصداقيتها؟ قد يرجع هذا للعقلية العسكرية التي
رفضت أن تنشر معلومات عن الجهاز و اعتبرته سرا عسكريا و لهذا لم يجد الباحثون بدا
من نشره في دورية ضعيفة لكي لا يفصحوا عن معلومات عن الجهاز, ربما أيضا يرجع هذا
لتحيز ما من الدوريات العلمية الكبرى ضد أي بحث ينشره المصريون و لكن هذا مردود
عليه بأن هناك ابحاثا كثيرة تم نشرها
لمصريون في نفس المجال و في أفضل الدوريات العلمية (راجع البحث المشار إليه في
الرابط السابق) و ربما (و هذا هو الأرجح) هناك ما يقوض مصداقية هذا البحث.
في
كل الأحوال الأمر يسير و يمكن إثبات مصداقية هذا الجهاز من عدمه من خلال مراكز
بحثية مستقلة أو من خلال نقد علمي موضوعي, فالمنهج العلمي يقتضي خضوع أي نظرية أو
إختراع لنقد علمي من كافة المتخصصين في المجال نفسه و نجاح أي نظرية او إختراع في
مواجهة النقد العلمي هو السبيل الوحيد لتحقيق المصداقية. هناك علماء كبار لم ترَ
نظرياتهم و ابتكاراتهم النور لأنهم فشلوا في إثباتها أمام المجتمع العلمي, هناك
تجارب نجحت لمرة واحدة و لم ينجح أصحابها في تكرارها مرة أخرى و لهذا تم رفضها,
هناك من كبار العلماء من زيف نتائجه ليخدع المجتمع العلمي و لكن تم فضحه و تجريسه
بالمعنى الدارج و لم يقبل منه بحث بعد ذلك, لذلك فالزمن وحده سيكون كفيلا بحسم
الجدل حول جهاز التشخيص.
لكن هناك نقطة مهمة لابد من ذكرها فيبدو أن
هناك تقارير كثيرة تربط بين هذا الجهاز و بين جهاز آخر تم استخدامه في عملية نصب
أخرى على أكبر جيوش العالم و هو يقوم على نفس النظرية بالضبط و قد تم حبس مخترعه
بعدما تبين نصبه و تعريضه حياة الجنود للخطر, قد تقول إن الجهازين مختلفين و إنما
هي صدفة, أو إن النظرية صحيحة و العيب في التطبيق؟ الحقيقة بالبحث في براءة
الاختراع الحاصل عليها جهاز سي-فاست للتشخيص تجد أنه يقول إن الجهاز صالح للكشف عن
القنابل و أشياء أخرى بجانب تشخيصه للأمراض, هذا ربما يشير فعلا إلى أنه نفس
الجهاز و إلى أننا أمام عملية نصب كبرى, و لابد أن نراجع عملية النصب الأصلية لكي
نعرف كيف تم تزوير النتائج و خداع أكبر جيوش العالم و التي تصرف بسخاء على البحث
العلمي و لا يسهل خداعها في المعتاد لكي نعرف إذا كان تم تزوير النتائج في الجهاز
محور الجدل الآن.
لا أشكك في أحد و لكن البحث العلمي يتطلب
الشك في النتائج قبل إعلانها لكي تؤكد مصداقيتك.
ثانيا: جهاز العلاج:
لن أطيل عليكم في هذا الأمرو فليس هناك
الكثير لأقوله, النصب و التدليس واضحان في هذا الأمر فمن أراد أن يصدق فليصدق و من
أراد أن يكذِّب فليكذِّب. كيف أعرف أنه تدليس؟ الأمر بسيط فالعلم لا يقوم على
السحر, هناك قواعد و منهجية تتفق فيها كل العلوم لا يجوز تخطيها و لا يمكن أن يخرج
علينا شخص فجأة ليقول أنه اكتشف علاجا نهائيا لأشد الأمراض المستعصية في العالم
دون أن يقدم دليل أو حتى خلفية علمية واضحة لإكتشافه ثم تطلب مني أن أصدقه, هناك
شئ اسمه السوابق العلمية و القواعد التي يبنى عليها الاكتشاف, يحب الكثيرين
الإشارة لدور الصدفة في البحث العلمي,و لكن الحقيقة إن الصدفة لا تأتي إلا بعد بحث
دؤوب و مجهود علمي ملحوظ.
الامر يشبه عمليات النصب بالطب البديل و
العلاج بالأعشاب, هناك بالتأكيد طب بديل و علاج بالأعشاب بل إن أصل الطب الدوائي هو
العلاج بالأعشاب, لكن إدعاء أن الأعشاب تعالج كل الأمراض بما فيها الأمراض
المستعصية هو نصب و مجافاة للعلم و للحقيقة و هذا هو ما يحدث تماما في حالتنا هذه.
جهاز السيسي دي (معرفتكش أنا كده, قال
كومبليت كيور قال) مطروح على أنه يعالج كل الأمراض الفيروسية المستعصية و لكنه لا
يقول لنا كيف و من المفترض أن نصدقه, يقول
إن يستخدم الموجات الكهرومغناطيسية في تنقية الدم من الفيروسات بتكسيرها و لا يقول
لنا كيف تنتقي هذه الموجات أهدافها من الفيروسات, كيف تفرق بينها و بين بعضها و
كيف تفرق بينها و بين المكونات الأخرى في جسم الانسان, ما هي أنواع المواد
الموجودة في الكبسولات و ما أضرارها؟ تقول إنه سر عسكري, إذا لماذا تطرحه على
الملأ؟ طالما طرحت البحث و النتائج على الملأ لابد أن تخضع للنقد العلمي و الفحص و
التمحيص و غير ذلك يكون متاجرة بآلام و آمال الناس.
مثال على ذلك, من فترة قريبة تم الاعلان عن
الموافقة من قبل هيئة الدواء و الغذاء الأمريكية على عقار جديد ذو نتائج مذهلة في
علاج فيروس سي, لكن هذه الموافقة جائت بعد أبحاث كثيرة تمت على هذا الدواء استمرت
لسنوات منها أبحاث مستقلة عن الباحث صاحب الدواء لكي تضمن حيدتها و نزاهتها و حتى
عندما يطرح الدواء في الأسواق سيظل قيد الدراسة حتى إذا حدثت مشكلة غير متوقعة
برغم كل الأبحاث يتم سحبه فورا مهما كانت المصاريف. هناك أبحاث علمية كثيرة حول
تنقية الدم من العوامل الممرضة و من الخلايا السرطانية, إستخدام الموجات
الكهرومغناطيسية و جسيمات دقيقة من أكسيد الحديد, استخدام مواد ذات ثقوب مزودة بجسيمات
للتعرف على و إلتقاط الجسيمات الممرضة, استخدام البيوتكنولوجي في مجابهة الأمراض
السرطانية و الفيروسية, استخدام النانوتكنولوجي كنانو الذهب في علاج و تشخيص
الأمراض, هناك ابتكارات كثيرة ولكنها كلها تخضع للبحث العلمي و لازلت قيد البحث و
الاختبار و النقد العلمي.
بينما هذا الاختراع المزعوم لا يقدم أي
منهجية علمية, مجرد فهلوة و تدليس و تضليل, لن أتحدث عن صوابع الكفتة و لا عن
تحويل الفيروس إلى أحماض أمينية و لا عن مصداقية سيادة اللواء و لا عن عقلية الجيش
التي لا تتفق مع العقلية العلمية, كل هذا متروك لكم لتناقشوه, أعتراضي على خداع
الناس بابتكار وهمي ليس هناك دليل علمي واحد على نجاحه. فمثلاهو يدعي أن العلاج يقوم بتنقية الدم و لكنه لم يخبرنا كيف سيتعامل مع الفيروسات بداخل الكبد و لم يخبرنا كيف أتي بنسبة ال 100%علاج التي يدعيها, كل هذا خارج نطاق العلم و المنهج العلمي و يدخل في إطار الفهلوة الممقوتة.
للأسف مصر ليست بلدا للعلم و إنما هي بلد للفهلوة و
للنصابين باسم العلم و الدليل صوبع الكفتة.
علاء نبيل
27-2-2014
