في المصعد
جلس عم"سعد" ليمارس عمله كعامل
مصعد في احدى البنايات الشاهقة,لم تكن وظيفة كبيرة أو مهمة أوحتى لها قيمة و لكنها
شديدة الأهمية بالنسبة لشخص مثله
أخذت منه الدنيا الكثير و لم يبق له إلا هذا العمل لكي يشعر بأنه يفعل شيئا ما, أي
شئ يشعره بقيمته في هذه الحياة, لكي يشعر أنه موجود. الأمر كان سهلاً
و مريحاً ليس به مشقة على رجل عجوز مثله. لهذا كان عم "سعد" يحب عمله و
يهتم به.
الحياة
بالنسبة له في المصعد بسيطة جدا , باب ينفتح , يدخل شخص ما ,ينغلق الباب , ربما
يتبادل معه كلمة أو كلمتين و يخرج بعدها .. و مع ذلك فقد صار بإمكان عم "
سعد" أن يعرف الكثير عمن يدخل و يخرج
برغم الفترة القصيرة التي يمكث فيها, ربما هي الفراسة او التعود, ربما هي الخبرة
في العمل, ايا كان الامر كان هذا يهون عليه الملل الذي قد يصيبه, كان يراقب من
يدخل و يخرج و يحاول معرفة الكثير عنه لا لشئ الا
لتمضية الوقت. هاهو الباب يفتح , يدخل شاب ممشوق القوام بهي الطلعة و معه
والده, كيف عرف أنه والده ؟ إن عم "سعد" يعرف هذه الأشياء. "الخامس"
قالها الأب,كانوا متجهين الي الطبيب اذن, كيف عرف ؟هذا واضح , ملامح القلق على
كليهما الظرف الكبير الذي يحوى عادة صور الأشعة , ناهيك أن عيادة د/نادرتقع في
الطابق الخامس! هذه أشياء واضحة, بالقطع الأب مريض فالشاب يبدو وافر الصحة قوي
البنيان, جاءا معا ليزورا الطبيب, هذا أمر يحدث كل يوم, لا جديد هنا, من الجيد أنه
لايزال في هذا الجيل التعس من الشباب من يهتم بوالده و يحرص على الإطمئنان على
صحته, لقد صار هذا نادرا في أيامنا. هكذا خرجا من المصعد...
(الطابق التاسع), انفتح الباب و دخل شخصان يبدو
على أحدهما الثراء لابد أنه مدير شركة أو شئ من هذا القبيل أما الآخر فلا يعدو
كونه مساعداً او مديراً لأعماله, شئ من هذا القبيل , من الواضح أنهما جاءا من عند
مكتب المحامي في ذلك الطابق , يبدو هذا واضحا بالتأكيد لا يمكن لعم "سعد" أن يخطئ زبائن المحامين
, تبادل الرجلان بعض الحديث..
"قلت
لك يا سيدي ان أ/فتحي هو أبرع المحامين في هذا المجال"
"أرجو
ذلك , أنت تعرف ماذا سيكون الوضع لو خسرنا هذه القضية ", كانت نبرته مهددة .
"اطمئن يا سيدي سنكسب القضية "
"هذا
لا يكفي لا بد أن أخرب بيته"
"ان
شاء الله سيحدث يا سيدي!"
لم يكن عم
سعد يعرف عما يتحدثان و لا من تعس الحظ هذا الذي سيخربان بيته و لم يكن يهتم. وصل
المصعد للدور الأرضي, نقده الرجل الثري بقشيشا سخيا وخرج ,لابد أن الرجل الثري يشعر انه قام بخير
كبير الآن! ربما يعوض هذا خراب البيت الذي سيلحقه بخصمه....
(الطابق
الأرضي), انفتح الباب. دخلت فتاة هذه المرة, كانت من فتيات (اليومين دول) كما يطلق
عليهن عم "سعد", كانت مبهرجة
الزينة و الملبس, طلبت منه الصعود للطابق العاشر, لم يكن هناك مكاتب أو عيادات في
ذلك الطابق, بل هي مجرد شقق سكنية, أمر طبيعي أن تكون الفتاة في زيارة لأحد
أقاربها, و لكن عم "سعد " كان رأيه مختلفاً, "الفتاة المحترمة لا
تتزين بتلك الطريقة عندما تكون في زيارة لأهلها, الفتاة المحترمة لا ترتدي تلك
الملابس" هكذا حدثته نفسه, كان رأيه قاسيا وربما خاطئا كذلك و لكن هذا لم
يمنعه أن يقول عند خروجها " اللهم احفظنا".
مرة أخرى (الطابق
الخامس), يدخل الاب و ابنه من جديد, ران على المصعد صمت مطبق للحظات, فجأة ينهمر
الفتى بالبكاء, يربت الاب على كتفه و هو يقول " لا تبك هكذا يا بني, هناك
كثيرون اصيبوا بذلك المرض اللعين و تعافوا, ستجتاز هذه المحنة ان شاء الله" و لكن برغم
هذا فرت دمعة من عين الأب ربما لم يلحظها الابن و لكن عم سعد رآها, "مساكين"هكذا
تمتم عم سعد بعد خروجهما.
(الطابق الثامن ), دخل الأستاذ "عادل"
و هو مقيم بتلك البناية, متزوج و لديه طفلان, كان غاضبا و يبدو عليه أنه تشاجر
لتوه مع زوجته و هو أمر اعتيادي بالنسبة لهما , "تلك المرأة صارت لا
تطاق" لم يجبه عم "سعد"خوفا من أن يتعدى حدوده, كان يعرف ان كلام
أ/عادل هو مجرد تنفيس عن غضبه, فقط يريد
ان يفرغ ما بصدره, يريد أن يتكلم و لا
يريد أن يسمع , "لا أصدق ما تفعله , انها تفتعل اسباب المشاجرة , ثم تصرخ
لتعلن كم أني ظالم و عصبي و سئ الخلق , يالها من .....", أطلق سبة قاسية و
لكن عم "سعد" التزم الصمت و لم يعلق, وصل المصعد للدور الأرضي و عادل يقول
" يوما ما سأطلقها", وخرج.
(الطابق الرابع), يدخل الأستاذ "جودة" أحد
أكبر السكان سنا , "كيف حالك أيها العجوز, ألازلت حيا؟"
"نحمد
الله يا أستاذ جودة"
كان
الأستاذ جودة ألطف من يتعامل مع عم "سعد", كان دائم الحديث معه, و برغم
قصر الوقت الذي يتبادلان فيه الحديث كان عم "سعد "يستمتع به فالأستاذ
جودة رجل مثقف, حكيم, خبر الدنيا طويلا و
حديثه ممتع بالتأكيد. أيضا يمكننا ان نقول أن الأستاذ "جودة" يستمتع
بالحديث معه, أحيانا يظن عم "سعد" أنه يخرج فقط ليتجاذب أطراف الحديث معه,
فقد وصل لسن لا يهتم احد أن يسمع له فيها, أولاده فقدوا الاهتمام بحديثه, لم يعد
يسمع عنهم الا في المناسبات, من يعرفهم من اصدقائه ماتوا منذ فترة كبيرة, لا يوجد
شخص ليتحدث معه الآن سوى عم سعد, هكذا كانت سلواه الوحيدة هي تلك الأحاديث القصيرة
التي يتبادلها معه.
بادره
أ/جودة بالحديث قائلا: "تبدو متعبا أيرهقك العمل الى هذا الحد؟"
تنهد عم
سعد قليلا ثم قال:"انما هي بضعة أزرار نضغطها يا أ/جودة" , و انفتح باب
المصعد مرة أخرى .
علاء نبيل
8-1-2008