Tuesday, November 26, 2013

في المصعد-قصة قصيرة

في المصعد
       
       جلس عم"سعد" ليمارس عمله كعامل مصعد في احدى البنايات الشاهقة,لم تكن وظيفة كبيرة أو مهمة أوحتى لها قيمة و لكنها شديدة الأهمية بالنسبة لشخص مثله أخذت منه الدنيا الكثير و لم يبق له إلا هذا العمل لكي يشعر بأنه يفعل شيئا ما, أي شئ يشعره  بقيمته  في هذه الحياة, لكي يشعر أنه موجود. الأمر كان سهلاً و مريحاً ليس به مشقة على رجل عجوز مثله. لهذا كان عم "سعد" يحب عمله و يهتم به.
الحياة بالنسبة له في المصعد بسيطة جدا , باب ينفتح , يدخل شخص ما ,ينغلق الباب , ربما يتبادل معه كلمة أو كلمتين و يخرج بعدها .. و مع ذلك فقد صار بإمكان عم " سعد"  أن يعرف الكثير عمن يدخل و يخرج برغم الفترة القصيرة التي يمكث فيها, ربما هي الفراسة او التعود, ربما هي الخبرة في العمل, ايا كان الامر كان هذا يهون عليه الملل الذي قد يصيبه, كان يراقب من يدخل و يخرج و يحاول معرفة الكثير عنه لا لشئ الا  لتمضية الوقت. هاهو الباب يفتح , يدخل شاب ممشوق القوام بهي الطلعة و معه والده, كيف عرف أنه والده ؟ إن عم "سعد" يعرف هذه الأشياء. "الخامس" قالها الأب,كانوا متجهين الي الطبيب اذن, كيف عرف ؟هذا واضح , ملامح القلق على كليهما الظرف الكبير الذي يحوى عادة صور الأشعة , ناهيك أن عيادة د/نادرتقع في الطابق الخامس! هذه أشياء واضحة, بالقطع الأب مريض فالشاب يبدو وافر الصحة قوي البنيان, جاءا معا ليزورا الطبيب, هذا أمر يحدث كل يوم, لا جديد هنا, من الجيد أنه لايزال في هذا الجيل التعس من الشباب من يهتم بوالده و يحرص على الإطمئنان على صحته, لقد صار هذا نادرا في أيامنا. هكذا خرجا من المصعد...
 (الطابق التاسع), انفتح الباب و دخل شخصان يبدو على أحدهما الثراء لابد أنه مدير شركة أو شئ من هذا القبيل أما الآخر فلا يعدو كونه مساعداً او مديراً لأعماله, شئ من هذا القبيل , من الواضح أنهما جاءا من عند مكتب المحامي في ذلك الطابق , يبدو هذا واضحا بالتأكيد لا يمكن لعم "سعد" أن يخطئ زبائن المحامين , تبادل الرجلان بعض الحديث..
"قلت لك يا سيدي ان أ/فتحي هو أبرع المحامين في هذا المجال"
"أرجو ذلك , أنت تعرف ماذا سيكون الوضع لو خسرنا هذه القضية ", كانت نبرته مهددة .
"اطمئن يا سيدي سنكسب القضية "
"هذا لا يكفي لا بد أن أخرب بيته"
"ان شاء الله سيحدث يا سيدي!"
لم يكن عم سعد يعرف عما يتحدثان و لا من تعس الحظ هذا الذي سيخربان بيته و لم يكن يهتم. وصل المصعد للدور الأرضي, نقده الرجل الثري بقشيشا سخيا  وخرج ,لابد أن الرجل الثري يشعر انه قام بخير كبير الآن! ربما يعوض هذا خراب البيت الذي سيلحقه بخصمه....
(الطابق الأرضي), انفتح الباب. دخلت فتاة هذه المرة, كانت من فتيات (اليومين دول) كما يطلق عليهن عم "سعد",  كانت مبهرجة الزينة و الملبس, طلبت منه الصعود للطابق العاشر, لم يكن هناك مكاتب أو عيادات في ذلك الطابق, بل هي مجرد شقق سكنية, أمر طبيعي أن تكون الفتاة في زيارة لأحد أقاربها, و لكن عم "سعد " كان رأيه مختلفاً, "الفتاة المحترمة لا تتزين بتلك الطريقة عندما تكون في زيارة لأهلها, الفتاة المحترمة لا ترتدي تلك الملابس" هكذا حدثته نفسه, كان رأيه قاسيا وربما خاطئا كذلك و لكن هذا لم يمنعه أن يقول عند خروجها " اللهم احفظنا".
مرة أخرى (الطابق الخامس), يدخل الاب و ابنه من جديد, ران على المصعد صمت مطبق للحظات, فجأة ينهمر الفتى بالبكاء, يربت الاب على كتفه و هو يقول " لا تبك هكذا يا بني, هناك كثيرون اصيبوا بذلك المرض اللعين و تعافوا,  ستجتاز هذه المحنة ان شاء الله" و لكن برغم هذا فرت دمعة من عين الأب ربما لم يلحظها الابن و لكن عم سعد رآها, "مساكين"هكذا تمتم عم سعد بعد خروجهما.
 (الطابق الثامن ), دخل الأستاذ "عادل" و هو مقيم بتلك البناية, متزوج و لديه طفلان, كان غاضبا و يبدو عليه أنه تشاجر لتوه مع زوجته و هو أمر اعتيادي بالنسبة لهما , "تلك المرأة صارت لا تطاق" لم يجبه عم "سعد"خوفا من أن يتعدى حدوده, كان يعرف ان كلام أ/عادل هو مجرد تنفيس عن غضبه,  فقط يريد ان يفرغ ما بصدره,  يريد أن يتكلم و لا يريد أن يسمع , "لا أصدق ما تفعله , انها تفتعل اسباب المشاجرة , ثم تصرخ لتعلن كم أني ظالم و عصبي و سئ الخلق , يالها من .....", أطلق سبة قاسية و لكن عم "سعد" التزم الصمت و لم يعلق, وصل المصعد للدور الأرضي و عادل يقول " يوما ما سأطلقها", وخرج.
(الطابق الرابع), يدخل الأستاذ "جودة" أحد أكبر السكان سنا , "كيف حالك أيها العجوز, ألازلت حيا؟"
"نحمد الله يا أستاذ جودة"
كان الأستاذ جودة ألطف من يتعامل مع عم "سعد", كان دائم الحديث معه, و برغم قصر الوقت الذي يتبادلان فيه الحديث كان عم "سعد "يستمتع به فالأستاذ جودة رجل مثقف,  حكيم, خبر الدنيا طويلا و حديثه ممتع بالتأكيد. أيضا يمكننا ان نقول أن الأستاذ "جودة" يستمتع بالحديث معه, أحيانا يظن عم "سعد" أنه يخرج فقط ليتجاذب أطراف الحديث معه, فقد وصل لسن لا يهتم احد أن يسمع له فيها, أولاده فقدوا الاهتمام بحديثه, لم يعد يسمع عنهم الا في المناسبات, من يعرفهم من اصدقائه ماتوا منذ فترة كبيرة, لا يوجد شخص ليتحدث معه الآن سوى عم سعد, هكذا كانت سلواه الوحيدة هي تلك الأحاديث القصيرة التي يتبادلها معه.
بادره أ/جودة بالحديث قائلا: "تبدو متعبا أيرهقك العمل الى هذا الحد؟"
تنهد عم سعد قليلا ثم قال:"انما هي بضعة أزرار نضغطها يا أ/جودة" , و انفتح باب المصعد مرة أخرى .
علاء نبيل
8-1-2008


Tuesday, November 12, 2013

ثورة-قصة قصيرة

ثورة
كانت ولادتي في احدى المزارع الواسعة , كلا لم أكن ابنا لمالكها او حتى قريبا له , بل كنت ممن يدعونهم "أملاك" سيدي.اخبرتني امي أن يوم ولادتي كان شاقا للغاية و أن مجيئي للدنيا لم يكن بالأمر السهل,"هطل المطر بغزارة في هذا اليوم حتى طغى صوت الرعد الهادر على صوت صرخاتي و صرخاتك "هكذا أخبرتني أمي , لهذا أطلقوا علي اسم "رعد" , ياللسخافة , ماذا لو لم يهطل المطر في ذلك اليوم؟ أي اسم أسخف كانوا سيطلقونه علي ؟ لو كان الأمر بيدي لاخترت اسما آخر, و لكن للأسف لم يكن بيدي . لم أملك حرية اختيار اسمي , و لكن من ذا الذي يملكها ؟ .......
هل حدثتكم عن " سيدي " من قبل؟ حسنا, لم يكن لطيف المعشر او حسن المعاملة , على الأقل كان هذاهو رأي الجميع فيه و لكني كنت أختلف معهم,فقد كان "سيدي"يحسن معاملتي و يميزني عن الجميع, بل أحيانا  كان يطعمني بيده,و كان يقول دوما "سيكون لرعد شان كبير في المستقبل",كان شديد الاهتمام بي و بصحتي, في احد الايام عانيت من مرض شديد و على الفور أتى سيدي بالطبيب ,كان شديد القلق و لم يتركني الا بعدما اطمأن اني بخير, هل رأيتم كم هو طيب "سيدي"؟ إن الآخرين يتجنون عليه......
"الآخرون" في المزرعة يقولون أني مغرور و مدلل, لا أعمل كثيرا و آخذ كل شئ , يحقدون علي , هكذا هو الحال دوما, ذات يوم حاول بعضهم ان يهاجمني, و لكن"أمي" كانت لهم بالمرصاد,صحيح انها عنفتني بعدها قائلة,"انهم منا ,و نحن منهم و بالتالي لا يحق لأحدنا التعالي على الآخر "و لكن -اصدقكم القول - لولا تدخلها اليوم لنالوا مني , ما أروعك يا "أمي"..........
تقول "أمي" أن خلف سور مزرعتنا اراضي شاسعة و أن اجدادنا جابوا هذه الأراضي منذ قديم الأزل,,في ذلك الزمن البعيد لم تكن الأرض ملكا لأحد  ,تقول "أمي" أن الجميع كان يتجول في تلك الأراضي, لم تكن هناك حدود, الكل يبحث عن رزقه الذي يكفيه, دون ان يطمع فيما لدى الآخر او يتفاخر بما عنده , تقول أن أجدادنا سادوا تلك الأراضي قبل أن ياتي أمثال" سيدي" فيأخذون كل شئ: الأرض, الأفراد,الغذاء,أخذوا كل ما وقعت عليه أعينهم , لم يكفهم هذا بل استعبدوا أجدادي و من  لم يرضخ قتلوه , حتى صارت الأرض ملكا لهم و صارت الأسوار تحوطنا و لم يعد بوسع أيا منا التجول بحرية, "صرنا عبيدا على أرضنا, بعدما كنا أسيادا لها نجوب المروج دون أن يعيقنا شئ و لم يكن يحدنا الا الأفق" تلك كانت كلماتها........
ذات يوم جاؤوا ليأخذوا "أمي" , لم يكن ذلك غير معتاد فقد كانوا يأخذونها في أول النهار لتعمل , ثم تعود منهكة كي تنام في آخر الليل . لكن كان هناك أمرا مختلفا تلك المرة,تلك النظرة في عيني أمي ,نظرات "الآخرين"أيضا كانت مختلفة ,كانت نظرات بها الكثير من الحزن الممزوج بالشفقة , كان ذلك مرعبا,لا أفهم شئ, ماذا هناك ؟ مالذي دهاكم اليوم؟؟  و لكن لم يكن هناك سوى الصمت.   فجأة سمعت صوتا عاليا, كانت طلقة رصاص........
قتلوا أمي -الأوغاد- , قتلوهابلا رحمة او شفقة ,سمعت أحدهم يقول "لم يعد لها فائدة", هكذا ببساطة قرروا أنها غير مفيدة,إذن يجب أن تموت! من منحهم هذا الحق, ليس بأيديهم تتقررحياة شخص أو موته,الآن فقط أفهم احاديث"أمي", الآن  فقط أفهم ما كان يقوله " الآخرون", استباحوا حريتنا من قبل و الآن استباحوا حياتنا, و لكن نحن من منحهم هذه الفرصة  نحن سكتنا عن حقنا, ارتضينا بما يقدمونه لنا من فتات و استكفينا به برغم أن رزقنا ليس بأيديهم, حسنا لن أسكت بعد الآن, سأهرب......
اليوم جاءت فرصتي, غافلت الحارس و هربت, ركضت بأقصى سرعة,قفزت من فوق السور , لا شئ سيوقفني اليوم , اسمع أصواتهم تعلو من خلفي, لا يهم سأهرب, هاهي المروج حيث عاش أجدادي من قبل, العشب الندي ,يختلف كثيرا عن عشب مزرعتنا و لكن كيف؟, ربما احساسي به هو الذي اختلف. أنا حر, نعم الآن أشعر بذلك لا شئ يمكن ان يعوض شعوري هذا.
 صوت سياراتهم يقترب و لكني اليوم أسرع من أي سيارة ,اليوم لن يسبقني أحد , أنا حر, أنا حر, اقولها عالية لكي يسمعها الجميع, انا الاقوى اليوم...لحظة,لما يختلف شكل الأرض هاهنا؟ ما هذه الأرض الرمادية القبيحة؟ لم أر مثيلا لها من قبل في مزرعتنا و ما هذا الضوء القوي الذي يأتي من.....................
"هل التقطت رقم الشاحنة التي صدمته؟"
"كلا يا سيدي فقد فر صاحبها مسرعا."
"اللعنة , ماهذا اليوم الغريب؟ لا أدري ماذا اصاب ذلك الفرس اللعين, لعله جن !!!!".
"جنّ" ربما يكون هذا هو الحال, و لكن ما نعرفه حقا,ما نحن متأكدون منه بشدة, هو أن "رعد" الآن و ببساطة ............... حر.
-تمت-
علاء نبيل
27-2-2005

Sunday, November 10, 2013

أوان ورد الجناين-شعر

أوان ورد الجناين
و هييجي يوم و تفتّح يا ورد الجناين
و بألوانك راح تشرح القلب الحزين
و حترقص يا ورد يومها مع حركات النسيم
و ساعتها يا ورد راح تنتهي
أوجاع الماضي الأليم
***
يا ورد طال انتظارك
زرعناك و شوكك جنينا
يا ورد و انجرحت قلوبنا
قبل ما تنجرح إيدينا
هو ده جزاءنا يا ورد ؟
و لا نصيب مكتوب ؟
يا ورد قول الحقيقة
هو إنت غضبان علينا
ولّا إحنا اللي اتنسينا
علشان في يوم نسينا
مكان ورد الجنينة
و نسينا زرعة إيدينا
غرسنا و ما رعينا
و استنينا الحصاد
***
يا ورد مات الطفل فينا
و خلاص مات الصديق
و اتحطمت أحلامنا
و تاه منّا الطريق
 و ضعنا من بعض و اتفرقت الدروب
و ماعادش فينا بصير
 و اتحدد لنا المصير
يا نعيش من غير بهجتك
يا نموت بالقليل
 رضينا بالموت يا ورد
 و ما رضيوه لِنا
***
يا ورد احترنا في حالك
يمكن ده مش أوانك
و أكيد حتفتّح في يوم للّي هييجي بعدنا
و لكن برضه بنحلم
نشوفك و لو في يوم من عمرنا
 أرجوك حن علينا
لسه الأمل موجود
في إنّك تفتّح لِنا
و ساعتها نعود لبعض
و تعود بهجة عبيرك 
و تتحقق الاحلام
يا ورد اخترنا الأمل
لأن في اليأس الهلاك
و لولا الأمل موجود
ما كنّا زرعناك
مصيرنا الموت يا ورد
و مصيرك الخلود
 افتكرنا يا ورد
ساعة القضا المكتوب
إحنا اللي ما في مرة بعنا
و لا يوم خدعنا
جايز اتخدعنا
و سرقتنا الأيام
***
و لحد ما ييجي الأوان
لحد ما تفتّح يا ورد بكل الألوان
راح ننتظر
ممكن نمِّل
ممكن نكِّل
لكن راح ننتظر
وفي انتظارنا..
راح نمنع عنّك العتمة
و راح نسقيك بالمي
و حنحرسك..
من وحوش الليل و همجية التتار  
لحد ما تطلع شمس النهار
 و تملا دنيانا بالضي
و ساعتها..
لا الموت و لا الأحزان
و لا قسوة السجان
 حيحرمونا من حلمنا
ساعتها يا ورد
حتملى دنيانا بهجتك
و القسوة راح تختفي
و يتداري الظلم من روعة طلّتك
ده حلمنا يا ورد
يا نحققه
يا نموت بنحلم
بس برضه هييجي يوم
و تفتّح يا ورد الجناين
و هتنوّر يومها قبرنا
علاء نبيل
10-11-2013