Monday, November 27, 2017

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة
سأستعير عنوان كتاب إبراهيم أصلان حول ثورة يناير "إنطباعات صغيرة حول حادث كبير" لهذا المقال الذي أعنونه "ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة" للحديث عن بعض ما لفت إنتباهي حول فاجعة مسجد الروضة التي تعد أكبر حادثة إرهابية في تاريخنا. بكل تأكيد نحن أمام تحول نوعي في العمليات الإرهابية من حيث حجم و طبيعة الأهداف، المتفائلون يحللون ذلك بأن الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة و المتشائمون يقولون إن الإرهاب يستفحل و الوضع سيزداد سوءا عن ذي قبل، كعادتي اتصور أن الحقيقة خليط من الإثنين، الوضع سيزداد سوءا لكنه قد يكون مفتاح هزيمة الإرهاب أو هكذا أظن. قد تتساءل، كيف يكون التصعيد الإرهابي وسيلة لهزيمته؟ الحقيقة إن لجوء الإرهابيين للتصعيد له تفسيران، إما إنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم و يحتاجون للتصعيد كنوع من إثبات الوجود أو العكس تماما نجحوا و يضيفون إلى مكاسبهم، شخصياً أميل للإحتمال الأول وفقا لما أفهمه من مجريات الأحداث، و هذا يعني أن الوضع مرشح ليزداد سوءا كنوع من إثبات الوجود لكن هذا التصعيد بالضبط هو مفتاح هزيمتهم في رأيي، فكل تركيز الإرهاب الحديث هو الحصول على حاضنة شعبية أو متعاطفين معه و أحداث من هذا القبيل تفقدهم التعاطف تماما لأنها تبرز عوار فكرهم لمن لا يدرك ذلك و تزيد كراهيتهم في القلوب، بالطبع هذا ظني فقط و الله وحده اعلم بما سيحدث و بما هو قادم عسى أن يكون خيراً.
النقطة الثانية التي لفتت إنتباهي هو رد الفعل الرسمي الذي كان سريعا في إعلان الحداد و إمداد الإعلام بالمعلومات و تحديثها لتجنب الشائعات، ناهيك عن ظهور الرئيس (بغض النظر عما قاله و الذي سأتطرق إليه لاحقاً) في وقت وجيز لمخاطبة الشعب حول الحادث، إذا ما قارنت رد الفعل بحادثة الواحات ستجد أن العكس تماما  كان هو الصحيح في حادثة الواحات بل إن النظام حتى لم يعلن الحداد وقتها و هذا أدى لمشاكل كثيرة أبسطها إنتشار الشائعات، أتمنى أن يكون رد الفعل الذي شاهدناه في هذه الفاجعة ناتج من التعلم من التجارب السابقة و أن يكون هذا هو شكل ردود الافعال في الحوادث المماثلة مستقبلا و ألا يكون استثناءاً، لا أملك ثقة كبيرة في النظام و لكن ما اتمناه دائما ألا يزيد الطين بلة خصوصا في حوادث مثل هذه تؤثر علينا جميعا، فالشفافية و السرعة و إتاحة المعلومات و الاهتمام بالضحايا كلها أمور مهمة عند التعامل مع كوارث مثل ما حدث و غياب كل هذا يؤدي لنشر الشائعات و انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، باختصار ما حدث في الواحات هو  مثال واضح على سوء إدارة الحدث و ما حدث في فاجعة الروضة مثال على حسن إدارة الحدث، و ما أتمناه ألا يكون حسن الإدارة في هذه الحادثة هو مجرد استثناء في سلسلة طويلة من ممارسات سوء الإدارة.
الملاحظات القادمة تدور حول ردود الأفعال حول الحدث، فرد فعل الناس عادة ما يكون مؤشر على أشياء كثيرة في المجتمع. من امثلة ذلك، كان هناك غضب شديد من بعض المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب استفزازها، الاستفزاز كان بسبب ما يبدو أن البعض لا يمانع في عمليات إرهابية ضد غير المسلمين أو المسلمين العصاة أو ضد الشرطة و الجيش مثلا و لكنه يرفضها بالنسبة للمسلمين المصلين فقط تكررت هذه المشاركات المستفزة في مواقع التواصل الاجتماعي بل إن بعض الشخصيات العامة و الإعلامية تورطت في كلام مشابه تماماً، هذا الغضب محمود لأنه ينتصر لحق الحياة للجميع و لكن هذا الغضب كان في كثير من الاحيان في غير موضعه، كيف؟ المشاركات التي أثارت الغضب بالفعل ساذجة و سطحية و مستفزة و لكنها لا تقصد المعنى الذي فُهم، الأمر أن البعض يظن أنه فهم الإرهابيين و فهم دوافعهم فيظن أن اهدافهم تختصر في القضاء على العصاة و الخارجين عن الدين و لا يدرك أن مفهوم العصاة و الخارجين عن الدين يمتد ليشمل كل من لا يشارك الإرهابيين أراؤهم و أفكارهم، لذلك كانت صدمتهم كبيرة عند قتل المصلين في صلاة الجمعة، كيف يستوي هذا و فهمهم عن دوافع الإرهابيين، مصلين يؤدون صلاتهم يتم إغتيالهم، لماذا ما المعصية التي ارتكبوها؟  لذلك تساءل بعضهم بتلك الطريقة المستفزة الناتجة في رأيي من صدمة ما حدث و لكن ليس معنى كلامهم أنهم يؤيدون قتل غير المسلمين بل العكس، هم فقط كانوا يفهمون شيئا و صدموا في أنه غير صحيح، الامر أشبه بحديث الجوكر لهارفي دنت في الفيلم الشهير، كيف أن الناس لا يلقون بالا لأفظع الجرائم طالما أنها متوقعة أو في الخطة (كأن يموت جندي في معركة) بينما يجن جنونهم و يصدمون عندما تكون الجرائم خارج التوقعات و الخطة المفروضة (كأن يموت طفل في نفس الحرب). بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك التساؤل و برر ما حدث بأنه مسجد صوفي رغم إنه على قدر علمي ليس به ضريح و بالتالي لا يمكن تصنيفه (في العادة المصريون لا يصنفون المساجد) و بهذا فقد قبلوا عن طيب خاطر تبريرات الإرهابيين و تصنيفهم للآخر فقط كي يستطيعوا ان يستوعبوا ما حدث، تلك التغريدات هي ردة فعل بشرية طبيعية تجاه ما حدث و تحتاج ردة فعل مختلفة عن الغضب من وجهة نظري. فبدلا من الغضب يمكن دوما التركيز على إبراز مبدأ حق الحياة للجميع و أنه لا أحد يستحق أن تستباح دماؤه و حقه في الحياة فقط لأن هناك من يعتبر الإختلاف جريمة تستحق القتل.
النقطة التي لفتت إنتباهي أيضا هي الحديث عن التقصير الأمني من عدمه، دعني أقول أنه في تلك الحادثة تحديدا حجم المعلومات الذي يمكننا منه تحديد عملية التقصير الأمني من عدمه قليلة، بداهة فإن أي حادثة إرهابية تنتج عن تقصير أو ثغرة أمنية، لكن ما يتحدث عن الناس هو التقصير الفادح بمعنى أنك كان بإمكانك منع ما حدث و لكنك بسبب الإهمال أو قلة التدريب او سوء الإدارة لم تستطع ذلك، في حادثة الواحات حتى برغم قلة المعلومات كان التقصير الأمني من هذا النوع حاضرا وواضحا، لكن هنا بالفعل هناك معلومات كثيرة ناقصة كي نتمكن من تحديد التقصير الأمني من عدمه في هذه الفاجعة، لا نعرف حتى طبيعة التعاون بين الجيش و القبائل، لكن هناك معلومة قد ترجح نظرية التقصير الأمني و الاستخباراتي و هي أن الإرهابيين في أكثر من موقف اعلنوا تربصهم بهذا المسجد تحديداً و كان أحد هذه المرات منذ فترة قريبة للغاية من الفاجعة. هذا يطرح أسئلة كثيرة، هل كان الجيش (بما إنه المسؤول عن سيناء) يعلم بهذه التهديدات؟ و إذا كان يعلم لماذا لم يتخذ إجراءات ما للحماية؟ أم إنه اتخذ إجراءات و لكن الإرهابيين تحايلوا عليها؟ و إذا لم يكن يعلم فهل هناك تقصير في جمع المعلومات؟. سمعت أيضا أن هناك كمين للجيش كان قريبا من الاحداث و لم يتحرك لإنقاذ الناس، لا أثق كثيرا في صحة المعلومة لاني لم أسمع عنها تأكيدات من شهود عيان، عموما أتصور أن قواعد الاشتباك و الاوامر التي لدى الكمائن بألا يتركوا اماكنهم مهما حدث حتى لا يتم استدراجهم، هذا ما فهمته من مواقف كثيرة سابقة. باختصار هناك إحتمال ليس ضعيفا بوجود نوع ما من التقصير لكن لا يمكن الجزم به لأن المعلومات قليلة, لذلك أتمنى ممن لديهم المعلومات ان يحددوا ذلك و يحاسبوا من قصر لو هناك تقصير أو يتداركوا الثغرة لو أن ما حدث خارج عن الإرادة، للأسف لأسباب كثيرة لا أثق أن هذا سيحدث و اتمنى أن أكون مخطئا.
و إذا كنا لا نستطيع الجزم بوجود تقصير أمني من عدمه (من وجهة نظري) فإن الملحوظة القادمة تتعلق بنظرية المؤامرة التي يروج لها الكثيرون، و هو الأمر الذي أعتبر دوما (في أي نظرية مؤامرة) أنه لا سند له من الواقع و إنما هي محاولة للربط بين أشياء متناقضة لموافقة هوى أو وجهة نظر شخص ما، في هذه الواقعة ذهب الكثيرون بسبب عدم ثقتهم المفرط في النظام و كراهيتهم  الشديدة له بأن الحادث من تدبير النظام، و ان النظام افتعل الحادثة لتهجير اهالي سيناء لتطبيق كجزء من صفقة القرن (التي لا يعرف أحد ما هي بالضبط و لكنهم يخمنون أنها عملية تبادل أراضي) و البعض الآخر يرى أنها للتشويش على فشل النظام، بعض ممن يروجون لهذه النظرية أرادوا أن يدللوا على صحة نظريتهم بأن أتوا بصورة لتدريب للقوات المسلحة (نشر علنا من قبل) به مسجد و هكذا بمنتهى العبقرية قال أنهم كانوا يتدربون على تلك العملية وقتها، دعك من سذاجة الطرح فهناك من يصدق و كل له أسبابه، لكن في رأيي نظرية المؤامرة مضَّلِلة و تعيق العقل عن الوصول للحقيقة في كثير من الأحيان، ففكرة فتش عن المستفيد هي من أكثر الأطروحات سذاجة فليس شرطا لأن فلان استفاد من حادثة ما أنه هو من فعلها، و مسألة صفقة القرن لا احد يعلم ما هي بالضبط و حتى إن كانت بالفعل تبادل أراض و تهجير لأهل سيناء لا تحتاج كل هذا التعقيد في التخطيط، لا تحتاج ان تقتل كل هذا العدد من أهم حلفائك و جنودك و ضباطك كي تنفذها، ربما أكون مخطئا و لكني غير مقتنع بهذا الطرح بتاتا، و هذه المشكلة دوما في نظرية المؤامرة ، لا دليل عليها و في نفس الوقت لا تستيع أن تفندها (أن تقنع معتنقها بخطئه) و هي مريحة للعقل في أوقات كثيرة على تضليلها.
لكن المشكلة في هذه الحالة أنها تتجاهل أبسط التفسيرات و أوضحها و أقربها للحقيقة و أشدها خطورة، و هي أن هناك إرهاب بالفعل، إرهاب متوحش لا يتورع عن إرتكاب أفظع الجرائم، إرهاب يفاخر بوحشيته و يعرضه علنا لإثارة الرعب في القلوب، ليس من مصلحة أحد تجاهل الإرهاب أو التقليل من خطره أو تمييعه أو للأسف التبرير له (و هذا يحدث لأسباب مختلفة)، و لن أتحدث عمن يتعاطف معه أو يسانده لأنه لا يوجد أمل في شخص يرى كل تلك الوحشية و يساندها، هناك معركة ممتدة في سيناء و محاولة الالتفاف عليها و الترويج لنظرية أن الإرهاب من تدبير النظام ستضرنا جميعا، بالنسبة لي و لمن يشبهني فنحن محاصرون بين نظام أراه شديد الإجرام و ملوث بالدماء و الظلم و أراه يهدم القيم و الأساسيات التي تقوم عليها الدول حسبما أفهم، و بين جماعات و افكار مدمرة لأي مجتمع و قائمة على العنف و التدمير و الخراب
و من مصلحة الجميع (و أعني جميع الاطياف) الوقوف ضد هذين القوسين اللذيْن يحاصراننا لأن في الانحياز لأحدهما هلاك للمجتمع (من وجهة نظري)، ربما يراها البعض مثالية و لكني اراها وسيلة للنجاة. لذا ختاما لتلك النقطة، هناك إرهاب و هو خطر و هو من ارتكب تلك الجريمة الشنعاء، نظريات المؤامرة لن تجدي بل ستزيد الأمر سوءاً، أو هكذا أظن.
النقطة الأخيرة هي عن تلك الفئة الفاشية اللطيفة التي ازدهرت في مجتمعنا، الفئة التي لم تجد ردا على ما حدث سوى اسحق الجميع و دمر كل شيء حتى تقضي على الإرهاب، الفئة التي خاطبها الرئيس في خطابه حول الفاجعة بأنه سيرد بالقوة "الغاشمة". و الحقيقة أنه و بصورة براجماتية بحتة (و بعيدا عن مثاليات العدالة و القانون و هذه الأشياء التي تراها تلك الفئة هراءاً و مجرد عوائق للقضاء على الإرهاب) فإن القوة "الغاشمة" لن تحقق شيئا مع مثل ذلك العدو الذي نواجهه، بل بالعكس ستزيد الأمور سوءا، تخيل أنك تفجر بيتك للقضاء على فأر، أو أنك تطلق الرصاص على أهلك للتخلص من ذبابة، هذا هو مفهومي للقوة الغاشمة، القوة لابد دائما أن تكون عاقلة وواعية بل و حكيمة إن أردت تحقيق نتيجة حقيقية، و العدالة و دولة القانون ليست مثاليات او رفاهية بل هي ضروريات لإقامة دولة قوية. القوة الغاشمة ظالمة و مدمرة و غياب القانون يهدم الدولة من جذورها، و العدالة هي السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك المجتمعات، أعلم أن البعض لا يفهم هذا و يهلل للسحق و التدمير و الثأر و ما إلى ذلك، ولكني أطلقه كصيحة في الهواء قبل السقوط في الهاوية و لعلنا لا نسقط أو ربما سقطنا بالفعل. العجيب أن نفس تلك الفئة المنادية بسحق الجميع تطالبنا بالاصطفاف خلف القيادة في هذا الوقت الصعب و ما لا يدركونه أن مفهوم الاصطفاف مختلف بيننا و بينهم، فهم يريدون إصطفافا لا يتم فيه انتقاد النظام أو مساءلته ناهيك عن محاسبته، و ما لا يدركونه أن هذا النوع من الإصطفاف هو طريق هلاك الأمة، لأنه يعمي عن رؤية الأخطاء و بالتالي تتراكم حتى تهدم المعبد فوق الجميع، النقد و المساءلة و المحاسبة هي من آليات نهضة الدول و لكن للأسف لا يوجد الكثيرين ممن يدركون هذه الحقائق البسيطة.
انتهت الملاحظات و لكن لدي كلمة اخيرة، هناك حوادث في عمر الأمم تكون علامة فاصلة و أمر غير مسبوق، حدث تكون الأمور بعده مختلفة تماما عما قبله. هذا الحادث واحد من تلك الحوادث و علينا ان نسعى أن نتذكره دوما و ألا يتكرر مثل هذا الأمر ثانية، يجب أن يبذل الجميع جهدهم من اجل ذلك، للأسف عندما أعود بالذاكرة في السنوات التي مضت اجد أننا واجهنا العديد من تلك الحوادث التي لا يجب أن تتكرر و التي يجب محاسبة مرتكبيها، و لللأسف لم يحدث الكثير في سبيل أي من ذلك.
 و أخيرا أدعو الله أن تتوقف الدماء عن النزف في بلادنا...
رحم الله من مات و خفف عن من يعيشون هذه الأيام الصعبة...
علاء نبيل
27 -11- 2017


Monday, March 13, 2017

عن الإسلام و الرق و أشياء أخرى - مقال

عن الإسلام و الرق و أشياء أخرى

كنت دوما اعتبر الرق من أشد أنواع الظلم الذي ارتكبه الانسان ضد أخيه الانسان إن لم يكن أسوأها على الإطلاق. نعم، فبالرغم من كل الجرائم و الحروب التي شهدتها البشرية عبر تاريخها، بالرغم من كل القتلى و كل المظالم، تبقى العبودية و الاسترقاق أسوأها بالنسبة لي على الإطلاق. فالعبودية تنطوي على استباحة تامة للانسان و احتقار له و إهدار لحقوقه و حريته ناهيك عن الأطفال الذين يولدون في الرق و تهدر انسانيتهم منذ لحظة ميلادهم.
كمسلم كنت أرى أن الإسلام و بكل تأكيد ضد الرق، هذا واضح تماما، فالإسلام ضد الظلم و بالتالي ضد الرق و يمكننا أن نرى تحجيم الإسلام للرق من أول النصوص التي تساوي بين البيض و السود في الفضل إلى النصوص التي تحث على العتق و جعل العتق تكفيرا عن الذنوب، كلها مؤشرات كانت واضحة بالنسبة لي أن الإسلام ضد الرق. قد يسأل أحدهم و ماذا عن انتشار السبي و الرق في ربوع الدول المسلمة و استمراره حتى العصور الحديثة؟، هذا سؤال منطقي،  و الحقيقة أني كنت أرى تلك الممارسات في البلاد الإسلامية في إطار سياق تاريخي معين و ليس في إطار ديني، بمعني أن الرق و السبي و غيرها من ممارسات العبودية ليسوا واجبات دينية أو حتى مندوبات و لكنها تأتي في إطار إجتماعي معين و الدين بما أنه أتى لرفع الظلم فإنه تدخل لتغيير ذلك الواقع الإجتماعي بالتدريج إلى أن يتم القضاء عليه نهائيا.
هكذا كنت أرى و لكن كل شيء تغير لحظة ظهور" داعش"....
"داعش" أتت بشر عظيم.. وحشية و همجية جاءت من قلب كتب التاريخ، بدأنا نرى رؤوساً مقطوعة و أشلاءاً ممزقة و تلذذ واضح بابتكار طرق جديدة للقتل و التعذيب، شيء لم يكن في خيال أي فرد و المصيبة أن كل تلك الممارسات تمت تحت راية نصرة الإسلام و تطبيق الشريعة، كان من المقبول تماما أن نصفهم بالخلل في النفوس و العقول لكن ما زاد الطين بلة بالنسبة لي هو إعادتهم للسبي و الرق، هذا لم يكن أمرا معتاداً من الجماعات المتطرفة و لم يكن من مطالب تطبيق الشريعة فلماذا أعادوا تلك الممارسة؟ و هنا يتجلى السبب واضحاً كالشمس، هما يرونها واجبا دينيا مهدراً، يرون هذا الظلم البيِّن أمرا دينياً يجب تطبيقه و تعميمه، أعلم انك تتسائل الآن كل هذا القتل و كل هذه البشاعة و تتوقف عند السبي و الرق التي تعد انتهاكات خفيفة بالمقارنة بكل ما يفعلونه؟
 قلت في البداية أنني ارى الرق أشد أنواع الظلم البشري و لكن للتوضيح أنا لا أقلل من بشاعة ما فعلوه و ما يفعلونه من جرائم و لكن هالني إفتراضهم أن الدين يأمر باسترقاق الناس و ظلمهم برغم إيمانهم بأن الدين يسعى لرفع الظلم عن العالمين و هذا تناقض و خلل ناهيك عن تديين الظلم بحيث لا يمكنك رفعه بعد ذلك لأنه صار جزءا من الدين و هذه - في رأيي- كارثة لا يعلم مداها إلا الله.
كان من الممكن ان أركن لفكرة أن "داعش" مجرد جماعة مارقة لديها خلل في مفاهيمها و أنها لا تمثل الإسلام بكل سماحته و لكن الأمور لم تكن بهذه السهولة. فداعش صارت لها شعبية لا بأس بها وسط الإسلاميين خاصةً و المسلمين عموماً سواء كانوا معتدلين أو متشددين، كان من المألوف ان تجد شخصا تعرف عنه الوداعة و اللطف مؤيد لممارسات داعش لأسباب مختلفة منها السياسي و منها الديني، كانوا (و لازالوا) يبررون لهم كل ما يفعلونه من جرائم وحشية، حتى الرق و السبي الذي هو ظلم واضح كانوا يبررونه و يدافعون عنه، هؤلاء الأشخاص يعيشون بيننا يخفون افكارهم حيناً و يظهرونها حيناً آخر و التعامل معهم كان صادماً بالنسبة لي. كنت تجدهم يبررون ممارسة مثل الرق و السبي بأنها كانت تحدث أيام النبي (هل تجرؤ على الإعتراض؟!) ثم يرددون العبارة التي صارت تستفزني عند سماعها.."ليس في الإسلام ما نخجل منه"، جعلوا الظلم من الإسلام ثم أرغموا نفسهم على قبوله و تبريره و عدم الخجل منه، شيء مؤسف أن يتم إغتيال النفوس بل الفطرة السليمة بتلك الطريقة. كما قلت الرق و الاستعباد كانت ممارسة موجودة في عهد النبي بالفعل و لكنها لم تكن واجبا دينيا، صحيح أن هناك حديث شريف ينذر العبيد الذين يفرون من أسيادهم بعدم قبول صلاتهم (عندي مشاكل حقيقية مع ذلك الحديث) و لكن لا يمكن فهمه أو تفسيره بأن الرق واجب ديني أو أمر من الدين على الإطلاق (أي أن الدين لا يطلب منك بأي حال من الأحوال استرقاق الآخرين حتى لو أباحه) و كما قلنا الإسلام ساوى بين البيض و السود و جعل العتق سبيلاً لتكفير الذنوب و لكن البعض للأسف لديه رأي آخر و هذا الرأي ينم عن خلل و مشكلة ربما تمتد إلى الدين ذاته.
ما لا يدركه المدافعون و المبررون لتلك الممارسات أنهم يدفعون العديد من المسلمين للتشكك في دينهم من الأساس، فإن كانوا هم أرغموا انفسهم على قبول تلك الممارسات و قتلوا في سبيلها نفوسهم و عقولهم فإن هناك الكثير من المسلمين من لازال لديه فطرة سليمة كي يرفض كل تلك التشوهات، و الاصرار على ربط كل تلك الممارسات المجرِمة بالإسلام (أو الدين عموما) إنما يدفعهم دفعا لترك الدين. في رأيي الشخصي بل في إيماني و قناعاتي لا يمكن ان يكون الدين مرتبطا بكل تلك الجرائم، الخطأ الذي يحدث في رأيي هو خلط سياق تاريخي معين بالدين بحيث تصبح إيجابياته و سلبياته مرتبطة بالدين و ليس بالتاريخ، أما تبرير هؤلاء المدافعين عن داعش لتلك الجرائم و غض النظر عنها بدعوى أنها صحيح الدين فهي ببساطة إساءة للدين قبل أي شيء آخر و أزعم ان عدداً لا بأس به من المسلمين تخلى أو يكاد يتخلي عن الدين برمته بسبب تلك الممارسات و تلك التبريرات، بل إن تلك التبريرات ربما تكون أشد وطأة على الإسلام من إرتكاب تلك الجرائم، فوجود قطاع عريض و شرائح متعددة من المؤيدين لتلك الأفعال ترسخ إنطباعاً (خاطئاً أو صحيحأ وفقاً لموقعك) بأن تلك الممارسات هي صحيح الدين، ببساطة هم كالدبة التي قتلت صاحبها، يظنون انهم يدافعون عن الإسلام و هم مهلكوه.
أذكر في عام 2012 (و قبل ظهور داعش و انتشارها) أن مشكلة حدثت أثناء كتابة مواد الدستور المصري الجديد الذي كان يتم إعداده في ذلك الوقت، كان الخلاف بالطبع بين المعسكر المدني و المعسكر الديني، كان هناك جدل (لم أفهم سببه حينها) حول مادة تجرم الرق و الاتجار بالبشر و تؤكد على حرية الانسان، لسبب ما كان هناك رغبة لدى "بعض" الإسلاميين لعدم إدراج تلك المادة، بل إن عضوة بالجمعية التأسيسية قالت إنها تشعر بالإهانة لأنهم يريدون إدراج تلك المادة في عصرنا الحديث حيث لا يوجد رق، وقتها - حسب ذاكرتي - وافق المعسكر المدني على عدم إدراج تلك المادة أو تم صياغتها بصورة مختلفة (لا أذكر بالضبط) للأسف لأن ذلك الدستور كان يقوم على المحاصصة أي أن أُمرر لك مادة و تمرر لي أخرى و ليس على صياغة عقد إجتماعي حقيقي كما يحتاجه الوطن، المهم أني وقتها لم أفهم ما الذي يعيب تلك المادة و لماذا يعترضون عليها و هي فيها توضيح لحقوق انسانية متفق عليها كما كنت ارى مفارقة عجيبة فنفس الدستور الذي لم ينص على تجريم الرق كان به مادة تقنن العمل القسري، كنت وقتها أقول (و كنت أفترض حسن النوايا) بهذه الطريقة نكون قد جعلنا الرق دستوريا دون أن ندري.
الآن و بعد ما فعلته "داعش" أرى تلك الواقعة في ضوء آخر و لا أملك إلا أن أسأل، هل كانوا يرفضون تلك المادة لإرضاء أنصارهم لأنهم يرون الرق من الدين و لا يجوز منعه، لازلت لا أستطيع أن أصدق هذا و لا يوجد دليل على ظني، و لكنه يبدو الآن و في ضوء ما نراه تفسيراً منطقياً، و هنا لي وقفة..
فكلامي لا يعني أن كل المسلمين أو حتى كل الإسلاميين يؤيدون داعش او يوافقون على الرق، بالعكس هناك الكثير ممن يرفض تلك الممارسات لكن من يوافقون عليها ليسوا قلة أيضاً و ما نشهده الآن جزء من الصراع بين الطرفين و لا أدري حقا من سينتصر و جل ما أخشاه ان ينتصر الظلم و الطغيان و لهذا احب ان اوجه كلامي التالي لكل مؤيدي داعش و مبرري ظلمها:
"أي دين تؤمنون به حقاً؟..
أي خيالات مريضة و نفوس سقيمة تصور لكم أن كل هذا القتل و الدمار و الظلم هو دين الله..
أتؤمنون حقا ان رسالة الله للبشرية تنطوي على سفك الدماء و استرقاق البشر..
أهذا هو النور الذي تسعون لنشره بين ربوع الدنيا...
أهذه هي رحمة الله للعالمين...
أين عقولكم؟ بل أين ضمائركم؟..
أهذه هي الفطرة؟...
أي فطرة تُنتج كل هذا الدمار و توَّلِد كل هذه الكراهية؟!!...
ما هي رسالتكم للعالم؟ ..
بل ما هي رسالتكم للمسلمين أنفسهم؟...
تُحرِّمون البهجة و تمجدون الخراب و الدمار و سفك الدماء..
ألا تدركون أنكم و بانحيازاتكم المُنحطَّة تنفرون غير المسلمين و المسلمين انفسهم من الإسلام؟..
أتظنون أن الله لن يسائلكم عن كل من انصرف عن الدين بسببكم..
اتقوا الله إن كنتم حقاً تخشونه...
الظلم ليس ديناً، السبي ليس ديناً، القتل ليس ديناً..
لا تلوموا الآخرين على حالكم و لوموا أنفسكم..
اسألوا أنفسكم و تفكَّروا جيدا قبل الإجابة.. أي دين تتبعون؟"
عسى الله أن يهدينا و إياكم سواء السبيل.
علاء نبيل حسن

13-3 -2017