عن الإنغماس في
الماضي
:عن مجدي طلبة
في التسعينيات و حتي منتصف العقد الأول من القرن
الحادي و العشرين كان هناك برنامج شهير لكرة القدم إسمه "قصة مباراة"
يقدمه "مصطفى الأدور" (شقيق المعلق طارق الأدور) على القناة الثالثة
المحلية و فيه يستضيف المذيع لاعباً مشهوراً (او شبه مشهور) ليتحدث فيه عن مباراة
مهمة في مسيرته الكروية, من بين كل الحلقات كانت هناك حلقة لا أنساها أبدا و هي
حلقته مع اللاعب "مجدي طلبه" و هو يحكي عن مباراة مصر و زيمبابوي
الفاصلة للتأهل إلى كأس العالم 1994 و بالطبع هي مباراة تاريخية فشلنا فيها
كالعادة للتأهل خلال أحداث درامية متصاعدة, فبعدما كنا متقدمين في مصر تمت إعادة
المباراة بسبب شغب الجماهير لتقام في فرنسا بإعتبار أنها أرض محايدة و لعبنا
مباراة كنا نحتاج فيها فقط الفوز بهدف واحد و لكننا فشلنا كعادتنا في ذلك.
"مجدي طلبة" خصيصاً كان له نصيب من تلك الدراما ففي لقطة تاريخية يعرفها
الجميع تتهيأ له الكرة و المرمى خالي و في متناول قدمه و يفاجئنا "مجدي"
ساعتها بالهبوط على الارض ليلعبها برأسه بدلا من قدمه ليضيع فرصة و لا أسهل للتأهل,
و الحقيقة إن هناك الكثيرين ممن اعتبروا مجدي طلبة مسؤولا رئيسيا عن فشلنا للتأهل
بسبب تلك الكرة برغم مما يحمله هذا من ظلم لللاعب.
شاهد الهدف
الضائع:
ما لفت إنتباهي في تلك الحلقة ليست المباراة و
قصتها و لكن تفسير مجدي طلبة للعبه الكرة بتلك الطريقة العجيبة, حكى مجدي طلبة
وقتها إنه قبل تلك المباراة بعدة سنوات
كانت هناك مباراة أخرى (لا أذكرها للأسف) أضاع فيها كرة و هاجمه النقاد بشدة لأنه
حاول لعبها بقدمه و كان المفترض أن يلعبها برأسه, و لذلك عندما أتت الفرصة بعدها
بعدة سنوات في مباراة زيمبابوي فعل العكس ظنا منه أنه يتلافى أخطاء الماضي فكانت
النتيجة أنه أضاع الكرة هذه المرة أيضا لتصبح لديه ذكرى لن تنمحي سيظل أسيراً لها
طوال سنوات عمره.
ما فعله مجدي طلبة
هو نموذج للإنغماس بالماضي بطريقة تضر الحاضر و المستقبل أيضا, الماضي موجود لكي
نتعلم منه و لكن نحن لا نتعلم منه أبدا بل نتركه يسيطر على تفكيرنا بسلبياته و
إيجابياته لنضيع الحاضر و المستقبل بعد ذلك, تحرك مجدي طلبة بشكل لا شعوري و لم
يفكر حتى و هذا يرينا كيف سيطر الماضي على
تفكيره في تلك اللحظة فعجز تماما عن إتخاذ القرار الصحيح في لعبه للكرة و هذا
بالضبط قد يكون هو السبب الجوهري لتراجعنا الفردي و المجتمعي, فنحن نعيش أسرى الماضي
بسلبياته و إيجابياته, نعيش في خوف من تكرار الأخطاء الماضية فنرتكب أخطاء جديدة
بنفس الطريقة تقريبا, و نعيش على أمجاد الماضي فنرفض أي محاولة للتطوير و التغيير
خشية الفشل فنتأخر بدلاً من أن نتقدم. نحن لا نتعلم من الماضي بل نعيش فيه و ننغمس
فيه بسلبياته و إيجابياته فيفوتنا الحاضر و نفشل باللحاق بركب المستقبل.
يمكنك أن ترى ذلك
في كل شئ حولنا, في الشخص الذي تأثر بتجربة عاطفية سابقة فاشلة فيؤذي كل من يرتبط
به بعد ذلك ظنا منه أنه يتجنب تكرار أخطاء الماضي فيفسد على نفسه حاضره و مستقبله,
تجده في أمثالنا الشعبية (اللي اتلسع من الشوربة يخاف من الزبادي, و الللي اتلدغة
من الحيّة يخاف من الحبل), أمَّا عن السياسة فحدِّث و لا حرج, لازلت شعوبنا تهتف
مع و ضد حكام ماتوا منذ عهود عديدة بل و تسعى لاستنساخ تجربتهم التي ربما كانت
مناسبة لزمانهم و لكنها حتما لا تصلح لزماننا. بشكل أو بآخر كلنا مجدي طلبة الذي
يعيش أسير لهدف أضاعه في الماضي أو مجدي عبد الغني الذي يعيش حياته أسير هدف أحرزه
من ركلة جزاء من 25 سنة, نحن أمة أسيرة للماضي و لا سبيل لها لكي تتقدم و تنجح إلا
بمواجهة هذا الماضي, التعلم من أخطائه و التخلص منها و البناء على إيجابياته من
أجل المستقبل, فهل نفيق قريبا من الغيبوبة, هل نستطيع أن نفعلها ؟!!!
عن "داعش":
لكل حضارة عبر
التاريخ وجهان: وجه "أثيني" مشرق منير, ملئ بالإسهامات العلمية و الفنية
و الإنجازات الحضارية و المجتمعية و السياسية و التي لا تضيف فقط لأصحاب تلك
الحضارة بل تضيف للأنسانية جمعاء, وجه يتعلم من الحضارات السابقة و يضيف لما يأتي
بعده من حضارات. و هناك ذلك الوجه القاتم المظلم, الوجه "الإسبرطي", ملئ
بالحروب و المجازر و الفساد و الإنتهاكات الآدمية و إغتصاب الحقوق و تشريد الناس و
الكثير و الكثير من الدماء و العويل.
و الحقيقة أن أي
حضارة لابد من تواجد الوجهين فيها و لا يمكن تقييمها بناء على وجه واحد فقط, و
الحقيقة أيضاً أن استمرار أي حضارة و انتشارها لا يكون إلا بقمع هذه الحضارة
لجانبها المظلم بكل ما أوتيت من قوة و مواجهة اخطاء الماضي التي تسببت فيه بجانبها المظلم و التعلم منه و السعي لعدم
تكرارها هكذا فقط تستمر الحضارات أو تبعث من جديد بعد اندثار. أما إذا تغلب الجانب
المظلم فالنتيجة الطبيعية ستكون اندثار تلك الحضارة و لو بعد حين.
يمكنك أن ترى هذا
في كل الحضارات عبر التاريخ, ستجد أساطير و ملاحم عن مذابح و انتهاكات لا تعد و لا
تحصى و في نفس الوقت ستجد تقدم و تطور مذهل في جميع مناحي الحياة, فقط عندما يتغلب
الجانب المظلم تنهار تلك الحضارة, حدث هذا مع الإغريق و الرومان و الصينيين, بل
إنه حتى في عصرنا الحديث يمكنك أن تلاحظ وجهي الحضارة الغربية بمنتهى السهولة,
يمكنك ترى الحضارة الغربية كحضارة متفوقة علمياً و فنياً و إقتصادياً و سياسياً و
حتى انسانياً بإحترامها لحقوق مواطنيها و حرياتهم و كرامتهم, و في نفس الوقت يمكنك
ان تراها كحضارة مادية قاسية, رأسمالية متوحشة تزيد من ثروات الأغنياء و فقر
الفقراء, حضارة تسببت في مقتل ما يقرب من ستين مليون انسان في الحرب العالمية
الثانية, و إبادة جنس كامل من البشر تقريبا (الهنود الحمر), يمكنك أن تتذكر فضيحة
التعذيب بالوكالة لحفظ ماء الوجه و يمكنك بكل تأكيد أن تتذكر إنتهاكات سجن أبوغريب
و سرقة و تدمير آثار العراق عند الغزو الامريكي لها. في الواقع كلا الوجهين حقيقي
و موجود و لابد عند تقييمك لأي حضارة أن ترى الوجهين معاً و ليس فقط التركيز على
وجه واحد, العبرة هنا بما تفعله كل حضارة لمقاومة الجانب المظلم منها و التعلم من
اخطاء الماضي, بعد الحرب العالمية الثانية اجتهد الغرب لكي يتفادى أخطاء الماضي من
أجل أن يحافظ على حضارته فكانت هناك الامم
المتحدة و اتفاقيات السلام و معاهدات أسرى الحروب والإعلان العالمي لحقوق الانسان و الوثائق المختلفة للحفاظ على حقوق الانسان و
حرياته في محاولة لمنع تكرار كوارث الحرب و الأنظمة الاستعمارية, في حين اندثرت
الحضارتين النازية و الفاشية بعدما تمكن منها الجانب المظلم تماما, و كذلك الحضارة
السوفييتية فيما بعد. ليس الغرب مثاليا هذا أكيد و لكنه حتى الآن يتعامل مع
الانتهاكات بشكل قوي منعاً لتكرار أخطاء الماضي و أنا هنا لا اتكلم فقط عن
الحكومات و لكن عن المجتمع ككل فمثلاً, ستجد أمريكا تغلق سجن أبو غريب بعد الفضيحة
التي هزَّت صورتها داخلياً و خارجياً, و ستجدها تحاول حفظ ماء وجهها في فضيحة
التعذيب بالوكالة, ستحاول أن تقدم نفسها على أنها لازلت الراعي الرسمي
للديموقراطية و حقوق الانسان, العامل الحاسم هنا هو مدى قدرتها على التعلم من
أخطاء الماضي و عدم تكراره و عدم الإكتفاء و العيش على الأمجاد السابقة لضمان
الاستمرارية و إلا فالانهيار الحضاري سيكون حتميا, لا مفر من هذا.
الحضارة الإسلامية
ليست استثناءاً, هي أيضا تحمل بداخلها جانب مضيء و آخر مظلم, لو تتبعت التاريخ
الإسلامي لوجدت ثورات حضارية أنارت الطريق للعالم فيما بعد, و لكنك ستجد أيضا
مذابح تاريخية و دموية, كل دولة خلافة أقيمت على الكثير من الدم و الانتهاكات و
لكنها في الوقت ذاته خدمت الحضارة الانسانية بإسهامات عظيمة و كان انهيارها عندما
توقفت تلك الاسهامات و تفشى فيها الفساد و الصراع و النزاع بشكل يفوق أي إنجاز على
الأرض ثم تجئ دولة أخرى فتقدم إسهامات جديدة ثم ترتكب نفس أخطاء الماضي فتنهار هي
الأخرى, ليس هذا تناقضا و لكنها دورة حياة الحضارات, فقط المواجهة و التعلم من
الماضي و معالجة أخطاؤه هي ما تحافظ على إستقرار الحضارة. و عندما تنظر إلى حال
العرب و المسلمين الآن تجدهم متراجعون
حضارياً لأنهم يعيشون في دائرة مغلقة فهم لا يريدون و لا ينتوون الاعتراف بأخطاء
الماضي و مواجهته و يضعون قدسية مزيفة لكل ما هو من الماضي حتى الانتهاكات منه,
فبرغم أن الدين الإسلامي يحرم قتل النفس إلا بالحق, و يحرم دم المسلم على المسلم
فإن هناك من برَّر كل الإخطاء و الانتهاكات و الدم الذي أريق عبر التاريخ الإسلامي
و هذه التبريرات فتحت الباب لانتهاكات جديدة فيما بعد و هكذا نظل ندور في دوائر
مغلقة, لا نريد نتعلم من اخطاء الماضي و نواجهها فنعجز عن اللحاق بركب التقدم وعن تقديم
أي إسهام في الحضارة الانسانية.
تلك الدائرة
المغلقة تبدو سمة أساسية لدينا و سبب أساسي لتراجعنا, كلما تقدمنا خطوة للأمام تجد
من يعيدنا عشر خطوات للوراء خشية مواجهة أخطاء الماضي, و الحجج في سبيل ذلك كثيرة.
"داعش" هي آخر عنقود الفئات الظلامية التي ليست فقط منغمسة في الماضي بل
تريد تكراره بكل حذافيره و أخطائه, يريدون سبي النساء و قتل الحسين و إعادة مذبحة "الحرة"
و إنتهاكات الحجاج و أبي مسلم الخراساني و أبي عبد الله السفاح, ليست في هذا أي
مبالغة للأسف, يتجاهلون التطور الذي حدث للدولة و الحضارة الإسلامية في عهود
الخلفاء مثل ما حدث في عهد سيدنا عمر بن الخطاب (على سبيل المثال لا الحصر) و
يظنون أنهم يمكنهم إعادة الدولة القديمة و أدواتها التي ربما لا تصلح لزماننا
متجاهلين حاجة الدول و الشعوب للتطور مع مرور الوقت و بالتالي هم يريدون عكس كل
التطور الذي مر بالمجتمعات الاسلامية و يعيدون هذه المجتمعات مئات السنين إلى
الوراء. هم يظنون أنهم بهذا يعيدون مجد الإسلام و الحضارة الإسلامية في حين أنهم
فقط يدعمون الوجه المظلم لحضارتنا و يتجنبون الوجه المضيء خشية مواجهة أخطاء
الماضي, هم لا يحملون إلا الظلام و يظنون أنهم يستطيعون إقامة حضارة منيرة به.
قد تنتصر "داعش",
قد تبني دولتها التي تدّعي أنها دولة الخلافة متناسية أن الصراع على الخلافة و
غياب رؤية سياسية لكيفية الصعود إلى الحكم و تداول السلطة أدَّى لمجازر عديدة باسم
الصراع على الحكم و أحيانا إلى إنقسامات لأكثر من دولة خلافة في وقت واحد, ستتجاهل
"داعش" حقيقة أن المجتمعات تقدمت و أصبح هناك تفاصيل كثيرة و أعداد
كبيرة من البشر و إختلافات كثيرة بينهم تحتاج لشكل مختلف للدولة عمَّا كانت عليه
في الماضي و لكن "داعش" لن يهمها ذلك المهم تكرار نفس "الشكل"
الماضوي ظنَّاً منهم انهم يقيمون الإسلام, سيسْبون النساء و يقتلون الرجال و يشَّردون
الاطفال ثم يبكون في خشوع لدى سماع القرآن. و مع ذلك فحتى إذا أقيمت دولتهم فهي لن
تستمر بهذه الطريقة فهم لا يحملون سوى ظلام إسبرطي دامس, فحتى إذا كانت دول
الخلافة الأُوَل قد ارتكبت جرائم و تحولت إلى ملك عضود كما يقول بعض السلفيين فهذه
الدول كانت تحمل في طيَّاتها مشروع حضاري ضخم مبني بشكل كبير على المنهج الإسلامي,
فالجانب المظلم عندهم كان يوازيه جانب مضيء أيضا على عكس الحال في
"داعش", و كما قلت سابقاً دولة لا تحمل في طيَّاتها سوى الظلام هي دولة
ستنهار حتما.
تستمر "داعش"
و تبقى فقط إذا تخلَّت عن بعض من ظلمتها لصالح القليل من النور, لا أقول أن تتحول
إلى دولة أوروبية و لكن ربما نموذج أشبه بالسعودية, هنا فقط يمكن أن تجد "داعش"
لنفسها مساحة للبقاء و لكن للأسف حتى إذا فعلت ذلك ستأتي جماعة اخرى أكثر تشدداً
تزايد على "داعش" و تدَّعي أنها فرَّطت في دين الله و تعيد الكرَّة من
البداية, و يبدو أنه قد كتب علينا أن نعيش في تلك الدائرة المغلقة طالما لا نريد
مواجهة أخطاء الماضي و التعلم منها, سنظل نتقدم خطوة للأمام و نتراجع عشرة للوراء
في سلسلة ممتدة من المزايدات و المزايدات المضادة, فهل سيأتي علينا يوم و نكسر فيه
تلك الدائرة؟! هل يأتي اليوم الذي نتوقف فيه عن العيش في الماضي و نبدأ في البناء
للمستقبل؟! أتمنى ذلك لأنه سبيلنا الوحيد للبقاء و ليس فقط التقدم أما إذا ظللنا
في هذه الدائرة فسننتهي تماما و الله أعلى و اعلم.
عن ثنائية العسكر
و الإخوان:
لم أرَ في حياتي
فئتين تعيشان أسر الماضي مثل العسكر و انصارهم و الإخوان و أنصارهم, لا أنوي هنا
توجيه النقد السياسي للطرفين, بل تأمُّل – كما هو الحال في باقي المقال- حالة الإنغماس
في الماضي بطريقة تضيع الحاضر و المستقبل, فكرة عدم المراجعة او التعلُّم من
الأخطاء, و في هذا المجال فالطرفين محل الذكر يبرزان فيه بدرجة جنونية في الواقع.
أوضح صورة للتعلق بالماضي للطرفين هو ذلك التكرار للأخطاء و بالتالي الأحداث بشكل
يثير العجب, لو قلت لك إن الإخوان تعاونوا مع السلطة (العسكر) لإحتواء حراك الشارع
و إقصاء باقي القوى السياسية مقابل مكاسب
معينة, ثم انقلبوا على بعضهم بعد ذلك و تم قمع الإخوان و سجنهم و التنكيل بهم و
حظر جماعتهم, أي مشهد في التاريخ سيأتي لذهنك؟, ستجد أن كلامي هذا إختصار مخل لعدة
مشاهد في التاريخ تكررت بشكل مدهش تلخص العلاقة بين الإخوان و العسكر و أنصارهما
عبر التاريخ. أقول إختصار مخل لوجود تفاصيل كثيرة مختلفة لكن في الإطار العام ما
حدث مع عبد الناصر تكرر بشكل كبير مع السادات ثم اخيرا في أحداث ثورة يناير و ما
بعدها, تبدأ العلاقة بتعاون, تمر بصراع ثم تنتهي بقمع.
هذا التكرار العجيب
للأحداث لا يمكن تفسيره على أنه نتيجة غباء أو طمع أي طرف من الاطراف, بل في
الواقع ربما من وجهة نظر الطرفين هذا التعاون المتكرر بين خصمين لدودين هو أفضل
خيار واقعي ممكن بالنسبة لهما في لحظات التحول التاريخية الكبرى. السر في ذلك يكمن
في مدى إنغماس كلا الطرفين في الماضي, فكلاهما يفضل التعاون مع القوى القديمة بدلا
من أي قوى جديدة صاعدة بل و يحاولان بشكل أو بآخر قمع أي حراك مختلف مفضلين العدو
المعروف على خصم أو حتى صديق غير معروف. الإخوان و العسكر كلاهما يحترم قوة الآخر
بالرغم من العداء الكبير بينهما و لأنهما قوى محافظة متمسكة بالماضي فإنهما يجدان
الراحة في التعاون المبدئي للتخلص من أي قوى جديدة أو أي حراك مختلف على أمل أن
ينتصر أحدهما على الآخر في المستقبل, تكرار الأخطاء و الأحداث هنا هو نتيجة طبيعية
للوقوع في أسر الماضي و عدم التعلم منه و عدم الإعتراف بالأخطاء و مواجهتها. على
الأقل هذا رأيي في هذا التكرار العجيب و هذه الدائرة المغلقة التي تدور فيها
العلاقة بين العسكر و الإخوان عبر التاريخ و حتى هذه اللحظة.
لا يتوقف الإنغماس
في الماضي في حالة العسكر و الإخوان فقط عند تكرار الاخطاء و الأحداث في علاقتهما
التاريخية ببعضهما البعض, فالطرفان بشكل أو بآخر تغيب عنهما فضيلة نقد الذات التي
قد تتيح لهما التعلم من أخطاء الماضي, و الطرفان يعيشان في أسر أمجاد ماضوية بعضها
حقيقي و بعضها وهمي أو يعيشان في أسر
مظلوميات و نظريات مؤامرة تعيقهما عن رؤية ما ارتكبوه من أخطاء.
انظر مثلا إلى
العسكر و أنصارهم و قل لي هل تعلموا أي شئ من تجارب الماضي؟, هم يعيشون أسرى
لأمجاد ماضية بعضها حقيقي و بعضها متخيل أو زائف و في الوقت ذاته يعلقون أي فشل لهم
على شماعة نظرية المؤامرة والتي يتآمر فيها العالم كله عليهم و على مصر لإفشالها (لاحظ
كيف يختصرون مصر كلها في ذواتهم), و برغم تهافت نظرية المؤامرة فإن المشكلة ليست
في غياب المؤامرة أو وجودها بل في الهروب من نقد الأخطاء التي حدثت أو حتى في
التعلم من النجاحات لضمان استمراريتها في المستقبل. انظر كيف يتعاملون مع عصر عبد
الناصر مثلا, يتحدثون دوما عن إنجازات ذلك العصر و يبالغون فيها و يغفلون عمدا
الحديث عن عثراته و فشله, بل إن أكبر هزيمة في تاريخنا الحديث يسمونها نكسة, انظر
كيف يعيشون على مجد نصر أكتوبر في الوقت
الذي فشلوا فيه في استغلال أسباب هذا النصر للبناء للمستقبل. حتى بعد الثورة (25
يناير2011) لم يتعلم العسكر و أنصارهم أي شئ مما حدث و يصرون على إعادة إنتاج
الماضي بكل حذافيره و أخطائه و فساده دون محاولة التعلم مما فات لبناء مستقبل
مختلف. كيف يمكن أن نتوقع مستقبل أفضل من جماعة تعيش على الماضي و لا ترى أسفل قدميها؟ للأسف لا يمكننا أن
نتوقع سوى الأسوأ في ضوء ما رأيناه و علمناه من دروس الماضي, و لكنهم من غفلتهم لا
يستطيعون رؤية ذلك لأنهم لا يتعلمون من أخطاء الماضي.
و إذا كان الحديث
عن العسكر يتعلق أساسا بالتعلق بانجازات ماضية بعضها حقيقي و بعضها زائف مع الاستغراق
في نظرية المؤامرة لتبرير الفشل, فإن الحديث عن الإخوان - الذي لا يختلف كثيرا عن
الحديث عن العسكر - يتضمن في المقام الأول الانغماس في نظرية المؤامرة و حديث
المظلومية و التضخيم من الانجازات القليلة التي حققوها طوال تاريخهم. لا تخطئ في
فهمي, بكل تأكيد تعرض الإخوان للكثير من الظلم طوال مسيرتهم و لكن الاستغراق في
لعب دور الضحية و العيش في المظلومية يعميهم تماماً عن رؤية الأخطاء التي
ارتكبوها, من النادر أن تجد أي نقد ذاتي من الإخوان و من الصعب جدا أن يتقبلوا أي
نقد خارجي, بل إنهم يهاجمون بعنف في أحيان كثيرة كل من يفكر في نقد جماعتهم مثلما
هو الحال مع انصار العسكر. طوال فترات صعود و هبوط الجماعة عبر السنين لم يحاولوا
إجابة السؤال لماذا فشلنا أو لماذا نجحنا؟ هم يرجعون أي فشل لنظرية المؤامرة عليهم
و الظلم الذي يتعرضون له و أي نجاح هو نتاج عبقريتهم التي لا يجب أن يختلف عليها
أحد. حتى و إن كان هذا صحيحا في بعض الاحيان فإن هذا لا ينبغي أن يعميهم عن مراجعة
الأخطاء و معرفة الأسباب "الحقيقية" للنجاح و تطوير أفكارهم, و لكن
للأسف لجوءهم لنظريات المؤامرة و تجاهلهم لأخطائهم يجعلهم يكررون الفشل و لا
يحافظون على أي نجاح, هم يعطون لأفكارهم قدسية و هذا بالضبط هو سبب ما هم فيه من
محن, انظر مثلا لحالهم بعد الثورة, تقريبا كل الناس كانوا يعلمون ما سيحدث للإخوان
و إن تحالفهم مع العسكر سينتهي كما ينتهي كل مرة و لكن الإخوان كانوا هم الوحيدوين
الذي لم يروا ما سيحدث في ضوء دروس الماضي, لأنهم ببساطة لا يريدون مواجهة أنفسهم
بأخطاهم في الماضي أو الحاضر للأسف, و بالتالي كانت النتيجة كما توقع الكثيرون, و
للأسف حتى بعد ما حدث لم يتعلم الإخوان أي شئ أويقوموا حتى بمراجعة لما حدث لكي
يستفيدوا منه في المستقبل, و بالتالي لا يمكن أن نتوقع أمرا مختلف لمستقبلهم و
الله أعلى و أعلم.
بالطبع ليس
الإخوان و العسكر و أنصارهما هم فقط من يعيشون في الماضي, و لكن في رأيي هم النموذج
الأبرز و خلاصة القول, التعلم من الماضي (الأخطاء و النجاحات السابقة) أمر مهم من
أجل حاضر قوي و مستقبل مشرق, أما الوقوع في أسر الماضي بفشله و إنجازاته فهو يعيق
الفرد و المجتمع عن التعلم و التطوير اللازمين لبناء مجتمع ناجح مما يضيع الحاضر و
يجعل المستقبل في خطر, فهل يأتي اليوم الذي نستطيع فيه أن نفر من أسر الماضي و
ننظر للأمام؟...أتمنى ذلك.
علاء نبيل حسن
21-12-2014
