خواطر حول التطور
مقدمة:
نتحدث اليوم عن أكثر نظرية علمية مثيرة للجدل
في العصر الحديث....نتحدث عن نظرية التطور.
الجدل هنا ليس بسبب الطرح العلمي للنظرية و
لكن بسبب مآلاتها الفلسفية و الدينية, و الحقيقة أنني - و بسبب معرفتي السطحية
للنظرية – لم أكن مهتماً من قبل بهذا الجدل و كنت أتصور أن الأمر ليس مهماً أو أنه
لا يعنيني إلى أن وجدت بعضاً من أصدقائي و معارفي ممن تعرضوا للنظرية مؤخرا و قد
أصابتهم هزة في قناعاتهم الدينية و اتجه البعض للإلحاد بعدما زرعت تلك النظرية
البذرة الأولى للشك في نفسه. بالنسبة لي ليس لدي نفس الشكوك أو الهزة الإيمانية و
لكني أعترف أنني أجد طبيعتيْن تتنازعان بداخلي عند الحديث عن نظرية التطور, فمن
جهة هناك الطبيعة العقلانية المؤمنة بالمنهج العلمي كطريق أساسي للوصول للحقيقة, و
هناك الطبيعة المتدينة المؤمنة بالدين الإسلامي و بوجود الله, لهذا أحاول دوما عند
الحديث عن التطور التوفيق بين الطبيعتيْن.
علماء الدين و المتدينين عامة يتعاملون عادة
مع تلك النظرية بسطحية و جهل شديدين بالنظرية و يعادون بشدة كل من يطرحها و
يحاولون منع تدريسها أو مناقشتها و هم لا يدركون أنهم بذلك يعرضون الكثير من الناس
لتلك الهزة الإيمانية عند أول تعرض لهذه النظرية لأنهم يكتشفون ببساطة أن معظم ما
تلقونه من معلومات من رجال الدين حول هذه النظرية غير صحيح و أن الأساس العلمي
لهذه النظرية ليس ضعيفا كما يروجون.
لا أدعي هنا أني عليم بالنظرية, أو أنني
سأستطيع التوفيق فلسفياً بينها و بين الأديان أو أنني سأستطيع الانتصار لإحدى
الرؤيتين (العلمية أو الدينية), و لكني أطرح الأمر للتفكير الحر الموضوعي و العلمي
حول النظرية و مدى رقيها لمرتبة الحقيقة العلمية من عدمه و علاقتها بالدين, و في
رأيي الحوار حول هذه النظرية أفضل كثيراً من المنع الذي يشف دوما عن ضعف الحجة و
البرهان.
مبدئياً و قبل الحديث عن النظرية أحتاج إلى
طرح بعض القواعد التي لابد أن تكون موجودة عند أي نقاش يتعلق بنظرية التطور خاصة و
الموضوعات العلمية عامة:
العلم لا يعترف إلا بالتجرد
... فبكل تأكيد أحد أهم مقومات العلم هو
التجرد من الإنحيازات المسبقة, فحتى و إن وجدت هذه الإنحيازات, فالنتائج وحدها هي
الحاكم فالعالم يُخْضِع نظرياته و إنحيازاته للنتائج و الحقائق و ليس العكس, أي أن
العالم لو وجد النتائج تختلف عن النظرية التي وضعها فإنه لا يجد حرجا من الإعتراف
بالخطأ و تصحيح نظريته لتناسب النتائج فالتجرد مهم جدا للتفريق بين الفرضية و
الحقيقة عند التعامل مع الامور العلمية.
العلم لا يدحض إلا بالعلم
...هذه أيضا نقطة شديدة الأهمية فلا يمكنك
مثلاً أن تدحض أو تنقد النتائج العلمية ببيت من الشعر أو بنظرية فلسفية, بل لابد
أن يكون هذا النقد مبني على أسس علمية سليمة و هدفه الوصول للحقيقة و ليس فرض
نظرية معينة. واحد من اهم الأسس للبحث العلمي
الحديث هو مدى صمود البحث أمام النقد شريطة أن يكون هذا النقد علمياً.
لا يمكن إثبات وجود أو عدم وجود الله
بالعلم
... العقل قد يستطيع ذلك بالمنطق و الجدل و الحجة بل و أحياناً كثيرة من
خلال الأدلة العلمية فيؤمن المرء بعد ذلك أو يلحد أما العلم بذاته فلا يستطيع ذلك
بتاتاً. هذه مسألة منطقية تماماً, فالعلم أساسه القياس و التجربة والله – سبحانه و
تعالى – بكمال صفاته لا يمكن قياسه أو تجربته فلا توجد وسيلة علمية للقياس و كيف
ذلك و قد وسع كرسيه وحده السماوات و الأرض و ما فيهما فعلى أي شئ نقيس؟ و لو وُجِدت
وسيلة للقياس لفقد صفة الكمال الواجبة للألوهية كما أن العلم محدود بالقواعد و
القوانين التي يسير عليها الكون فكيف يستطيع أن يدرك خالق هذه القواعد و القوانين.
مشكلة المتجادلين حول التطور أنهم يحاولون إثبات وجود أو عدم وجود الله من خلال
النظرية و هو تحميل لنظرية محايدة ما لا تحتمل مما يجعل الكثير من الجدل حول
النظرية يدخل في إطار السفسطة.
أسعى في هذا المقال لطرح بعض الخواطر حول هذه
النظرية محاولاً توضيح بعض النقاط المهمة التي تختلط عند البعض و محاولاً فهم
العلاقة بين هذه النظرية العلمية و بين الدين و إزالة أي خلط غير ضروري بينهما أو
هكذا أظن.
عن التطور:
دعنا نبدأ بأن نحاول أن نوضح حجم و أهمية تلك
النظرية, فعلى عكس ما يروج له البعض فالتطور يعتبر من أهم النظريات العلمية بل و
يجوز إعتباره النظرية الأهم في العلوم على الإطلاق. التطور يتأثر و يؤثر بالعديد
من المجالات و يعتبر حاليا هو العمود الفقري لعلم الأحياء, و لكن للأسف فالجدل
الديني حوله يؤدي لرفض الكثيرين له أو وضع تصور خاطئ أن النظرية غير مؤكدة علميا,
دعني أؤكد لك أن هذا الكلام غير صحيح على الإطلاق.
هناك الكثير من المغالطات حول النظرية و التي
يروج لها البعض كأنها حقائق فمثلا نقطة الجدل الأكبر و هي أصل الانسان من اكبر
المغالطات الموجودة حول النظرية فأغلب الناس متأكدة أن نظرية التطور تقول أن
الانسان أصله قرد و في الواقع النظرية لا تقول ذلك بل تقول إن الانسان و القردة
العليا (الغوريلا, الشمبانزي, الأورانج أوتان,..) لهم سلف مشترك و الفرق بين
الجملتين كبير جدا من الناحية العلمية, ربما لا يبدو كذلك بالنسبة لبعض الناس و
لكن الحقيقة الفرق كبير, فمن الناحية التطورية هذا يعني أن الانسان لا ينحدر من
القردة و لكن القردة العليا و الانسان ينحدرون من نفس الأصل.
من المغالطات أيضا ان البعض يتصور أن التطور
هو نوع من التحول من نوع إلى آخر كظاهرة الانسلاخ التي نراها في دورة الحياة لبعض
الكائنات الحية كالفراشة التي تنسلخ من الدودة أو كالضفدع ينسلخ من الشرغوف. لهذا
تجد تساؤلات لماذا لا نرى كائنا حيا يلد كائنا من نوع آخر أو لماذا لا نرى مثلا
بطة برأس قطة كدليل على التطور وهذه التصورات أو الأسئلة ساذجة جدا و لا علاقة لها
بنظرية التطور التي تدرس التغير "التدريجي" للكائنات الحية عبر مدى طويل
من الزمان قد يبلغ آلاف أو ملايين السنين بحيث يؤدي التغير على مدى الأجيال إلى
نشوء أنواع مختلفة تماما عن الأصل.
دعنا نبدأ القصة من البداية, يتصور البعض أن
التطور يبدأ من عند داروين (و هذه مغالطة أخرى), بالتأكيد سمعت بعض الأقاويل التي
تردد إن داروين يهودي (هو ليس كذلك) و أنه متآمر على الدين يريد هدمه (ليس صحيحا),
الحقيقة إن فكرة التطور تبدأ قبل ذلك بكثير. يمكنك أن تجد تلميحات فكرية عن التطور
في بعض ما وصل إلينا من الحضارات اليونانية و الرومانية القديمة, بل إن مقدمة ابن
خلدون الشهيرة فيها فقرة تدل بوضوح على قناعته بفكرة التطور, في العصور الحديثة
كان هناك بعض العلماء مثل لامارك الذين وضعوا افتراضات لكيفية حدوث التطور... و
لكن ما هو التطور أصلا و ما هي دلالته؟
لاحظ علماء الأحياء من مختلف المجالات
ملاحظتين هامتين و هي أن هناك علاقة تربط بين جميع الكائنات الحية بعضها ببعض و
أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية وفقا لهذه العلاقات (عندما تقول إن الأسد من نفس
عائلة القطة فأنت تتكلم عن التطور) و
الملاحظة الثانية كانت أن هناك تغير واضح يحدث في الكائنات الحية من جيل لجيل وهذا
يمكن إدراكه من خلال دراسة الحفريات (مثال: سلف الزرافة كان لديه رقبة أقصر بكثير
من رقبة الزرافة الحالية), و العلماء ظلوا زمنا طويلا يحاولون تفسير هذه العلاقة و
هذا التغير من خلال نظريات مختلفة و لكن لم تكن كلها كافية لتفسير هذه الظاهرة إلى
أن أتى داروين...
داروين من خلال أبحاثه التي استهلكت وقت طويل
من عمره و من خلال رحلته على السفينة "بيجل" التي دار من خلالها حول
العالم يفحص الكائنات الحية إلى أن استقر على جزر الجالاباجوس استطاع تقديم تفسير
مقنع جدا لطبيعة هذه العلاقة و كيفية حدوث هذا التغير. داروين لاحظ و هو يدرس
الكائنات الحية على الجزر المنعزلة أن جميع الكائنات الحية متكيفة مع الطبيعة الخاصة
بكل جزيرة منعزلة و أن هناك تغيرات شكلية في النوع الواحد حسب طبيعة
الجزيرة...ماذا يعني هذا؟
استخلص داروين من ملاحظاته و من خلال تطرقه
لبعض العلوم مثل الاقتصاد و الجيولوجيا و الحفريات نظريته الشهيرة "التطور
بالانتخاب الطبيعي" و فيه يخلص للتالي:
- في
الطبيعة هناك ندرة للموارد مما يؤدي لصراع عليها (صراع من أجل البقاء)
- في هذا الصراع البقاء للأصلح (للأنسب)
- جميع الكائنات تعود إلى أصل واحد مشترك
باختصار, وصل داروين لاستنتاج مهم جدا هو أن
التغير في الكائنات الحية يحدث عبر الأجيال وفقا لملائمة الكائن الحي للظروف
الطبيعية حوله, بمعنى انه لو كان لدينا كائنات بألوان لا تتناسب و الطبيعة حولها
فإنها تكون أكثر عرض للإفتراس عن كائنات من نفس النوع لديها ألوان تتوافق مع
الطبيعة حولها مما يتيح للأخيرة التكاثر و بقاء نوعها مما يؤدي في النهاية لتغير
في النوع وفقا لطبيعة المكان عبر السنين. بهذا يكون داروين قد قام بعمل عظيم فعلا
و هو أنه نزع الصدفة من فكرة التطور و جعلها تحدث وفق قواعد علمية يمكن قياسها و
التجربة عليها و هذه بالفعل كانت ثورة علمية.
حتى لا أطيل عليكم يمكنكم معرفة الكثير عن
التطور, الانتخاب الطبيعي, أدلة التطور و أهميته للحياة من خلال الفيديوهات
القصيرة التالية:
هناك ادلة كثيرة على التطور و تتضافر في ذلك
مجالات علمية كثيرة فمثلا عندما وضع داروين نظريته لم يكن الحمض النووي قد اكتشف
بعد و كان علم الوراثة يخطو خطواته الأولى و مع ذلك فالتقدم في هذين المجالين وافق
ما جاء في نظرية داروين, كذلك في علوم الأنسجة و التشريح و وظائف الأعضاء و
الكيمياء الحيوية و علم الأجنة كل المعلومات من مختلف المجالات صبت في مصلحة النظرية.
حتى الجيولوجيا التي من خلالها استطعنا تحديد عمر الحفريات و زمان وجودها من خلال
الطبقة الموجودة فيها الحفرية صبت في صالح التطور, فلا تجد مثلا حفرية تسبق حفرية
أو في طبقة غير مفترض أن تتواجد فيها. أيضاً هناك تطبيقات عديدة للنظرية في الطب و
علوم الأحياء المختلفة بجانب أبحاث يمكن من خلالها مشاهدة التطور بشكل معملي أو في
الطبيعة, هناك أيضا الانتخاب الصناعي الذي يعرفه كل مربي للخيول مثلا حيث يتم انتقاء
الخيول ذات الصفات الأفضل لكي تتكاثر و يتم إنتاج سلالات جديدة قوية, كل هذا يؤكد
صحة النظرية بما لا يدع مجالا للشك.
الحقيقة أن المعلومات المتراكمة على مدار
أكثر من مائة عام من بعد وضع داروين لنظريته صبت في مصلحة التطور بشدة و هو ما يدل
على قوة المنهج العلمي لداروين, صحيح أن هناك ما تغير في النظرية وفقا لتراكم
العلم و لكن الجوهر ظل ثابتا و صامدا يتم البناء عليه مع إزدياد المعارف.
كل هذا جميل..لماذا إذن يرفض الكثير من
المتدينين هذه النظرية و يحاربونها؟
التطور و الأديان:
نظرية التطور في جوهرها نظرية محايدة و
متجردة لا علاقة لها بالدين أو بإثبات وجود الله, لكن للأسف فإنها تصطدم مع بعض
النصوص و الروايات الدينية إصطداما شديدا يجعلنا أمام فريقين رئيسيين أحدهما مؤيد
للعلم و يرى الرواية او النص الديني على خطأ (مما يؤدي لرفضه الدين ككل) و الطرف الثاني مؤيد للدين و بالتالي يرفض
العلم و كل ما تقدم من أدلة. هذا يضعنا أمام السؤال الصعب: هل يمكن أن تكون مؤمناً
بالدين و مصدقاً لنظرية التطور في نفس الوقت؟
دعنا أولاً نفصِّل أوجه التعارض بين الدين و
نظرية التطور, مبدأياً فإن هناك فرق بين الدين الإسلامي و المسيحي فيما يتعلق
بنظرية التطور, فبينما تشترك الدياناتان في رفض مما ذهبت إليه النظرية حول أصل
الانسان فإن مناطق الخلاف بين المسيحية والتطور أكثر بكثير من مناطق الإختلاف بين
الإسلام و التطور..كيف؟
بجانب أصل الانسان فإن المسيحية تختلف مع
التطور في كل شيء تقريبا, فسفر التكوين يضع تصورا مختلفاً تماماً عن نشأة الحياة,
ففيه خلق كل كائن على حدة مما يناقض فرضية التغيير و الأصل الواحد لكل الكائنات
الحية و التي لا يوجد خلاف علمي كبير حولها, أيضا هناك في المسيحية ما ينص على أن
عمر الأرض ستة آلاف عام و هي فترة غير كافية لحدوث التطور و لكن العلم الحديث أثبت
أن عمر الأرض 4,5 بليون عام و هو فرق شاسع جدا و لكنه يتماشي مع حدوث التطور بل في
الواقع لا يمكن للتطور أن يكون قد حدث إلا بفترة زمنية ضخمة مثل هذه. بينما في
الإسلام ببساطة معظم هذه التفصيلات غير موجودة و بالتالي فلا محل للخلاف حول كيفية
الخلق او عمر الأرض أو غيرها, بل إن هناك آية في القرآن كلما تأملتها تتبادر إلى
ذهني نظرية التطور او على الأقل الجزء الخاص بالأصل الواحد للكائنات الحية:
"وَاللَّهُ
خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ
وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ
ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"
- سورة: النور آية:45
لا أدعي هنا أن الآية تروج للتطور أو تشير
إليه و لكن فقط هذا شعوري كلما تأملت الآية خصوصا الإشارة أن أصل الخلق الماء و هو
ما ذهب إليه بعض العلماء في تصورهم لكيفية بدء الحياة على الأرض. لكن لا يعني هذا
أن الإسلام يتفق مع التطور فهو كالمسيحية يختلف معه في الجزئية الأهم و الرئيسية,
أصل الانسان. كما تقدم فقصة خلق الانسان المذكورة بوضوح في الأديان السماوية الثلاثة
تختلف جذريا عما تذهب إليه نظرية التطور في تحديد اصل الانسان التي تجعل الانسان
جزء لا يتجزا من ظاهرة الحياة على كوكب الأرض و تطور كما تطورت باقي الكائنات
الحية و ليس كما تقول الاديان أنه تم خلقه خلق خاص من طين و هو ليس كباقي الكائنات
الحية بل له مكانة خاصة.
المواجهة
بين الدين و التطور إتخذت أشكال عديدة و ما بين الرفض و المنع في أحيان عديدة كانت
هناك محاولات دائمة لاستبدال نظرية التطور بنظريات أخرى متوافقة مع الدين, خصوصا
الديانة المسيحية. أولى هذه النظريات كانت نظرية الخلق, و هي بالضبط كما جاءت في
الدين, كل الكائنات خلقت كما هي و لم تتغير, بالطبع لم تصمد أمام الأدلة العلمية
الكاسحة القائلة بالتغيير في الكائنات الحية عبر الأجيال. ثم جائت فكرة تحاول او
توفق بين الخلق الخاص و بين التغير و فيها أن جميع الكائنات تفنى في كوارث متعددة
ثم تستبدل بكائنات جديدة و أيضا هذه الفكرة لم تصمد لأنه لا يوجد دليل علمي واحد
على حدوث تلك الكوارث الكبرى المتعددة. هذه الأفكار لم تكن علمية رغم محاولات
وضعها في إطار النظرية و لم تصمد كثيرا أمام العلم و لكن جاء في العصر الحديث من
يروج لنظرية جديدة و هي نظرية التصميم الذكي, هذه النظرية مهمة و هناك بالفعل من
يحاول جاهدا إستبدال نظرية التطور بها و فيها أن هناك صانع ذكي (لم يذكر الله
صراحة لأنه لن يستطيع إثبات وجوده علميا) وضع لبنة الحياة الاولى و تركها لتتكيف
مع الطبيعة مع تدخلات بسيطة, و لب هذه النظرية فكرة بسيطة جدا و هي أن هناك تعقيدات في الكائنات الحية غير
قابلة للإختزال مثل العين و بعض البروتينات و أن هذا دليل على وجود الصانع. بالطبع
هذه النظرية تتوافق فلسفيا و فكرة أنه لابد من وجود خالق لهذا الكون فلا يمكن أن
يكون هذا النظام الدقيق الذي يسير عليه كل شيء في الكون عشوائيا أو وليد الصدفة.
شخصيا أؤمن بهذا و أنا أميل بالفعل لنظرية التصميم الذكي بل إنني أدعي أني وصلت
لنفس هذه الفكرة باستخدام عقلي المجرد و قبل أن أعرف هناك نظرية تقول هذا.
لكن هناك نقطة شديدة الأهمية أن نظرية
التصميم الذكي ليست نظرية علمية حقيقية, لا يوجد دليل علمي واحد عليها أو أوراق
بحثية لها مصداقيتها تؤيدها, بل حتى إن الفكرة اللطيفة القائلة بالتعقيد الغير
قابل للإختزال لا يوجد عليها دليل علمي واحد بل العكس هو الصحيح فكل تعقيد قابل
للإختزال و يمكن إثبات هذا. التصميم الذكي لا يعدو أكثر من كونه فكرة فلسفية دينية
أنيقة لكنها لا يمكن أن تقترب بأي حال من الأحوال من منافسة نظرية التطور على
الأقل ليس بعد.
نعود للسؤال الصعب الذي سألناه: هل يمكن أن
تصدق نظرية التطور و تكون مؤمنا بالدين في نفس الوقت؟
الحقيقة إن هذا ليس مستبعدا, فبرغم إن نظرية التطور علم قوي لا يمكن تكذيبه اللهم
إلا إذا استطاع أحد العباقرة إيجاد نظرية بديلة لها و جعلها حالة خاصة كما فعلت
النسبية العامة مع جاذبية نيوتن, فكما قلنا من قبل نظرية التطور لا يمكنها إثبات
وجود او عدم وجود الله, بل لا يمكنها أن تخبرنا كيف نشأت الحياة. هي تخبرنا فقط
كيف تطورت, صحيح أن هناك تجارب عديدة تحاول خلق المكونات الأولى للحياة من عناصر
كيميائية أولية و في ظروف تشبه الظروف الأولية للكرة الأرضية فإن العلم حتى الآن
عجز عن خلق حياة من لا حياة برغم أن هناك نظريات جيدة تحاول تفسير كيف يمكن لهذا
أن يحدث.
ما أود قوله أنه و برغم كل ما وصلنا له لازال
هناك فجوات في نظرية التطور يحاول العلماء كل يوم سدها بأبحاث جديدة, و لازال هناك
جدل بين العلماء حول بعض آليات التطور مما يفتح الباب في المستقبل كي تتغير معارفنا
و وجهات نظرنا حول التطور. أما إذا تحدثنا عن الدين فبرغم وضوح النص إلا أن هناك
دوماً إختلافات في التفسير. سأتكلم عن الإسلام لأنه ديني, قصة سيدنا آدم في القرآن
واضحة و مع ذلك هناك إختلافات حول كون الجنة التي كان فيها سيدنا آدم هي جنة على
الأرض أم جنة المأوى و هذا مثال لتفاسير مختلفة لنفس النص حول قصة الخلق. أيضاً
هناك محاولة لدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم: قصة الخليقة بين
الأسطورة و الحقيقة" يحاول أن يفرق فيها بين كون سيدنا آدم أبو البشر و بين
كونه أبو الانسانية في محاولة للتوفيق بين العلم و الدين و برغم إنها محاولة بدائية
أو ساذجة بعض الشيء و برغم إن هناك من قام بتكفيره على هذه المحاولة إلا أننا قد
نلجأ إليها عندما تضيق السبل بنا. إذن الصراع ليس محسوما تماماً برغم كل شيء و
لازال هناك إمكانية لأن يتغير تفكيرنا في المستقبل سواء من ناحية العلم او الدين,
في رأيي ما سيحسم الأمر هو العلم و المزيد من العلم, العلم فقط هو ما يمكنه من سبر
أغوار تلك المعضلة و وضعنا على الطريق الرئيسي للحقيقة الساطعة.
نظرية التطور ليست مؤامرة على الدين, صحيح أن
هناك صراع بينهما الآن, لكن تبقى النظرية محايدة و متجردة, الفكرة هنا أني لا
أتصور منتصر في هذا الصراع و يبدو أنه سيكون صراع أبدي. فالدين لديه وسائله في
البقاء, المسيحية لم تنتهي عندما ثبتت كروية الأرض و دورانها حول الشمس و الأديان
لن تنتهي بسبب نظرية التطور, ستجد دائماً وسيلة للبقاء, في رأيي المستقبل فقط هو
من يمكنه أن يخبرنا كيف سينتهي الأمر و لعلنا نشهد في حياتنا حسما لهذا الصراع مع
كل التطورات المذهلة في العلم.
علاء نبيل
4-3-2016
Table 1 جدول بالمترادفات الانجليزية لبعض
المصطلحات العربية الواردة بالمقال
التطور
|
Evolution
|
الانسلاخ
|
Metamorphosis
|
شرغوف
|
Tadpole
|
بيجل
|
The beagle
|
الانتخاب الطبيعي
|
Natural selection
|
الانتخاب الصناعي
|
Artificial selection
|
سفر التكوين
|
Book of genesis
|
نظرية الخلق
|
Creationism
|
التصميم الذكي
|
Intelligent design
|
التعقيد الغير قابل للإختزال
|
Irreducible complexity
|