Saturday, May 28, 2016

عن العلم و الإيمان - مقال

عن العلم و الإيمان
الغلام: هل العلم و الدين متفقان أم مختلفان؟
الشيخ: متفقان فالدين منَّزل من عند خالق الكون و العلم هو دراسة طبيعة هذا الكون فكيف يختلفان؟!
الغلام: و ماذا إن وجدنا إختلافاً بينهما؟
الشيخ: ساعتها فالزم الدين يا بني فالدين ثابت مطلق و العلم متغير متبدل بتبدل الادلة و تطور فهمنا للكون.

هل يبدو لك هذا الحوار مألوفاً؟ هل سمعت مثل تلك الأسئلة و تلك الإجابات من قبل؟ بالتأكيد مرت عليك تلك الخاطرة حول العلاقة بين الدين و العلم, ربما حيرتك النقاط الخلافية بينهما, ربما اتجهت للتسليم بأن المستقبل وحده مع تراكم الادلة كفيل بحل تلك النقط الخلافية و ربما تكون قد انحزت لأحد الطرفين فنبذت الدين أو العلم.
أول تعرض لي لتلك المعضلة كانت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي و العشرين, كان هناك كتاب ذاع صيته اسمه قصة الخلق من العرش إلى الفرش تأليف شخص كان مجهولاً بالنسبة لي وقتها اسمه عيد ورداني, كانت الدعاية للكتاب مهولة و كانت أغلبها مرتكزة على رفض معلومات و حقائق وصل لها العلم الحديث و إنكارها و استبدالها بمعلومات أخرى وفقاً لرؤية الكاتب, كانت تلك الدعاية كفيلة بالنسبة لي أن أتجاهل مثل هذا الكتاب تماما لأن هذا الكلام بالنسبة لي كلام فارغ لا يستحق الالتفات إليه, لكني قابلت في معرض الكتاب بائعا ذكياً استطاع أن يستفز القط الفضولي بداخلي كي يدفعني لشراء هذا الكتاب, خصوصاً أنه تحدث عن أن المؤلف لديه أدلة حاسمة على كلامه.
و الحقيقة إنني لم أندم في حياتي قط على شراء كتاب قدر ندمي على شراء هذا الكتاب, كلام أغلبه مرسل و محاولات بائسة للي أعناق الآيات و الأحاديث ليثبت كلامه و عدم فهم غير طبيعي للعلم و حقائقه و إنكار مريض لها. وقتها قلت هذا كلام رجل مخرف يبحث عن الشهرة و في سعيه هذا أساء للدين و العلم ووقتها اتفق معي د/زغلول النجار الذي كنت أحترمه كثيرا و أحترم "علمه " وقتها فقال غن هذا الرجل لا يفهم العلم و ليس متعمقاً في الدين و كان هذا كافٍ بالنسبة لي كي أنبذ هذه الأفكار تماماً.
وقتها لم أدرك و لم أكن أعلم ان هناك بالفعل مشكلة في فهم بعض النصوص القرآنية و النبوية تتعارض مع الحقائق التي أثبتها العلم الحديث و التي صارت معلومات بديهية لأي فرد, كما قلت كانت هذه بالنسبة حالة فردية لشخص مخرف يسعى للشهرة و فيها ما فيها من سوء تفسير للأحاديث و الآيات القرآنية. مرت أكثر من عشرة سنوات قبل أن أصطدم مرة أخرى مع تلك المعضلة, كنت أتحدث مع صديق لي عن مقالة قرأتها تتحدث حول بعض الإختراعات التي كاد  بعض علماء الدين أن يحرِّموها لولا وجود علماء واعين رفضوا تلك الآراء المتشددة. لأفاجأ به يقول لي إن الشيخ الجزائري و هو راجل فاضل و ليبارك لنا الله في علمه مازال حتى الآن يرفض فكرة كروية الأرض و دورانها برغم محاولة تلاميذه إقناعه بالعكس, ساعتها تساءلت أي علم يطلب صديقي أن يباركه الله؟ هذا جهل مطبق و سوء تفسير للآيات, لا يمكن أن يختلف العلم و الدين لهذه الدرجة و لكن للأسف اكتشفت بعد ذلك ان كثيراً إن لم يكن أغلب علماء الوهابية على ذلك الرأي و يرفضون فكرة دوران الأرض حول الشمس أو أنها كروية و يتمسكون بفكرة مركزيتها و ثباتها, رباه ألم تكن تلك نفس فكرة الكنيسة في العصور الوسطى و التي كاد جاليليو أن يُحرق بسببها؟ كيف يعقل أن هناك في عصرنا الحديث من لايزال يجادل في حقائق عليها أدلة واضحة كهذه؟ قد تظن أن المشكلة تقف عند هذا الحد و ساعتها ستجد أن هناك بعض المؤمنين بنظريات المؤامرة في الغرب يقولون مثل هذا القول, في النهاية الحقيقة واضحة وهذه "مجرد" آراء شاذة و لكن للأسف المأساة لا تقف عند هذا الحد. فبعض الشيوخ الأجلاء يُكَّفرون من يصدق فيما يقوله العلم حول هذه القضية, باختصار هم يضعون إيمانك (قلبك) في كفة و تصديق الأدلة العلمية الواضحة (عقلك) في كفة اخرى و يخيرونك بينهما فإذا اخترت عقلك فأنت كافر وجب قتله و إذا اخترت قلبك فقد خنت العقل الذي كرمنا الله به, فأين المفر؟
 السؤال المهم هنا, كيف كمؤمن أتعامل مع المواضيع التي يختلف فيها العلم و الدين مع بعضهما البعض؟ هل أشك في الإيمان أم في العلم؟ لن يقبل قلبي أو عقلي أحد الإحتمالين. حسناً, لنبدأ بتلك العبارة التي ربما تسمعها من شيوخ و متدينين كُثُر, الدين ثابت و مطلق و العلم متغير فيجب عليك تصديق الدين فوراً و إنتظار أن يأتي العلم بجديد, عبارة مريحة تجعلك بصورة ما متسق مع ذاتك و إيمانك و لكن الحقيقة أن تلك العبارة بها مغالطات كثيرة فلا الدين بهذا الثبات و لا العلم بهذا التغير, كيف هذا؟
عندما تسأل نفسك عن ماهية الدين فستجد أنك أمام شقين مهمين, الأول هو النص ( الإلهي و النبوي) و هو مبني على الوحي و الشق الثاني هو تفسير النص و جمعه و الفقه المستند علىه و هذا عمل بشري محض قائم على الاجتهاد, و لأنه عمل بشري ففيه إحتمال الصواب و الخطأ, و طالما فيه إحتمال للخطأ فهذا لا يجعله ثابتاً أو مطلقاً كما تقول العبارة. قبل ان يتهمني أحد بالتشكيك في الدين و هذا أبعد ما يكون عن نواياي دعني أضرب لك مثلاً, هناك آية في سورة القلم تفسيرها لدى المفسرين الكبار عجيب جدا و بمقاييسنا الحالية يرقى هذا التفسير لمرتبة الخرافات, الآية هي أول آية في سورة القلم "ن وَ الْقَلَمِ وَ مَا يَسْطُرُونَ" و برغم بساطة  الآية فإن التفسير العجيب هاهنا يتحدث عن حوت عملاق يحمل الأرض على ظهره و يمكنك أن تبحث عن التفسير بنفسك كي تتأكد, هل الخطأ هنا في القرآن (النص الإلهي) أم في التفسير (عمل بشري)؟ بالتأكيد الخطأ في التفسير و هو أمر وارد تماماً لكن كثيرون يرفضون فكرة وجود أخطاء في التراث الذي هو عمل بشري مهما كانت عظمة و براعة المجتهد لأنهم يظنون أنهم يهدمون ثوابت الدين مع أن العكس هو الصحيح.

ماذا عن العلم؟ بالتأكيد العلم يتغير لكن هذا التغير ليس تغيراً إلغائيا يلغي ما قبله و لكنه تغير تراكمي يضيف على ما قبله و يعالج أي قصور فيه, فإذا توافرت لدينا معلومة ما في وقت معين فهذا يعني أن هذه أفضل معلومة وصلنا إليها بفحص الأدلة  التي لدينا بالأدوات المتاحة لنا و لا تتغير تلك المعلومة إلا بتراكم ادلة جديدة أو تطور الأدوات التي لدينا فتتغير نظرتنا و نعالج أي قصور كان في النظرية أو المعلومة التي لدينا, فالعلم لا يلغي بعضه بعضاً و لكن يكمل بعضه بعضاً. أفضل مثال على ذلك هو تطور مفهوم الجاذبية من عهد نيوتن إلى عهد أينشتاين, نيوتن استطاع بالمعادلات الرياضية تفسير ظاهرة الجاذبية و كان تفسيرا جيدا جدا استمر لعدة قرون و لكن كان هناك شذوذاً في بعض الحالات التي لا يستطيع تفسيرها القانون و جاء أينشتاين ببساطة ليقدم حلاً لتلك المعضلة, لم يلغِ قانون الجاذبية لنيوتن و لكن أضاف له ليصبح ذلك القانون هو حالة خاصة في الجاذبية و نظرية أينشتاين هي الحالة العامة. العلم متغير بالفعل  و لكن تغيره مختلف عما تفترضه تلك العبارة.

هل معنى هذا الكلام أنه في كل مرة يختلف فيها العلم و الدين يجب علينا أن نشك في التفسير الديني للآيات و نعيد تفسيرها؟ و كيف يستقيم الدين بعد ذلك؟

الحقيقة أن هذا ليس ما أقصده على الإطلاق, ما أريده هو ان تترك الأمور العلمية للعلم كي يبحث فيه و يصل إلى نتائجها و تفسيرها بحرية تامة و أن تتطور تلك النتائج و التفاسير بتطور الأدوات العلمية للبحث دون أن تفرض على العلم إجابة فوقية من خلال تفسير لنص قد يحتمل ذلك التفسير الصواب أو الخطأ. دعني أضرب لك مثالاً, تحدثنا منذ قليل عن العلماء الذين ينكرون كروية الأرض, هل تعلم أن ابن حزم أفتى بكروية الأرض قبل أن تثبت كرويتها من خلال تفسيره لآية: 

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار

 (سورة الزمر الآية 5)

 ما أقوله هنا هو أن تلك الفتوى على صحتها العلمية خاطئة, لأن تلك الأمور يجب ان تترك للمتخصصين فيها كي يبحثوا بحرية, قد يكون ابن حزم تأثر بحوار حول ذلك الأمر دار في عصره, ربما يكون قد تأثر بآراء بعض علماء الجغرافيا و الأفلاك في عصره لكن في كل الأحوال لا يجوز ان تضع الدين في كفة و العلم في كفة و تطلب مني الاختيار, لا يمكنك أن تفرض على العلم إجابة تختلف مع الادلة المتاحة, لابد أن يترك العلم ليقوم بدوره و الدين ليقوم بدوره فإذا إختلفا علينا نبحث في الأمر من ناحية العلم و من ناحية الدين, ننظر للتفاسير و نراجعها و ننقحها و نزيد بحثنا في العلوم و نطور أدواتنا لعل الحقيقة تنجلي لنا بعد حين, في كل الأحوال لا يجب علينا تكفير من يصدق العلم حتى لو رفض ما يأتي في بعض النصوص الدينية, بل يجب علينا ان نبحث لكي نعرف سبب هذا الاختلاف و نحاول أن نصل لنقطة إلتقاء مهما أخذ هذا الامر من وقت فالوقت وحده كفيل بكشف الحقائق إذا اجتهدنا في البحث و أن نثق أن الله سبحانه و تعالى لن يضعنا في اختبار يكون علينا فيه ان ننبذ عقولنا و الأدلة التي أمامنا أو أن نخرج من الدين, فالله عادلٌ رحيم.  

نقطة أخيرة, ماذا عن الإعجاز العلمي للقرآن؟ أليس فيه ما يدل على صحة القرآن و أنه لا يختلف مع العلوم بل كَشَف حقائق لم يتوصل لها العلم إلا بعد زمن طويل؟

الحقيقة إن الإعجاز العلمي في القرآن فيه مشكلة منطقية كبيرة جدا, فأهل الإعجاز العلمي يأتون بحقيقة علمية تم الوصول إليها في عصرنا ثم يأتون بآية أو حديث و يقومون بتفسيرها بطريقة تثبت أن الإسلام عرف تلك الحقيقة العلمية قبل 14 قرناً من الزمان, و لكن لو كان الإسلام عرفها فلماذا لم يعرفها المسلمون إلا عندما اكتشفها العلماء في وقتها؟ كنا لنكون امة شديدة التقدم علمياً لو كنا عرفنا تلك الحقائق قبل أن تكتشف, هناك مغالطات منطقية واضحة في أغلب دعوات الإعجاز العلمي و في احيان كثيرة يتم لي عنق النص بما يناقض تفسيره الأصلي لكي يوافق حقيقتهم المفترضة, ناهيك أن هناك من الملحدين من يأخذ نفس الآيات لكي يفسرها بصورة عكسية كي يوضح أن هناك أخطاء علمية بالقرآن و بالتالي الدين نفسه ليس صحيحاً, هذا باب خطير للتدليس على الدين خصوصا إذا ثبت خطأ التفسير المبالغ فيه منذ البداية.

ليس معنى هذا أني انكر أن هناك إشارات علمية مهمة في القرآن و السنة و لكنها ليست إعجازا علمياً بالمعنى المقصود و في رأيي لا يجوز لي عنق الآيات كي تثبت شيئا لم يكن موجودا من قبل في القرآن من الأصل. نقطة أخرى أن هناك كثيراً من رواد الإعجاز العلمي في القرآن يكذبون كما يتنفسون للأسف, ربما يظنون أنهم يخدمون الدين بتلك الطريقة و لكنهم بالنسبة لي مدلسون لا يمكن الثقة فيهم. أول الأكاذيب أنهم لا يتعرضون للنقاط التي يختلف فيها العلم مع التفاسير الدينية بل يتجاهلون تلك التفاسير و يدعون انه لا خلاف على الإطلاق بل العكس, و هذا تدليس كبير و هو يغذي المشكلة و لا يحلها. و لكن تلك فقط ليست كل الأكاذيب, لقد رأيت شيوخا كنت أحترمهم بشدة يزيفون الملعومات العلمية و يكذبون حولها لكي يدعوا إنها توافق القرآن و السنة و هذا جعلني لا أثق في أي أحد منهم و أنا أرى منهم الكذب الواضح الصريح, ناهيك عن المغالطات التي يروجون لها و التي لا أصل لها في العلم و الدين فهم لا يدققون في المعلومات أصلا. لذا لا تعتمد كثيراً على حل معضلة العلم و الإيمان من خلال الإعجاز العلمي في القرآن فالتدليس فيه اكبر من الحقيقة و رواده لا يمكن الثقة فيهم للأسف.

في النهاية أنت وحدك من يمكنه بالبحث و التدقيق الإجابة عن الأسئلة الصعبة فأنت من تحدد طريقك و قناعاتك و لكن عليك بالبحث بالطريقة الصحيحة و لا تيأس فالإجابة حتماً آتية.

No comments:

Post a Comment