Saturday, February 21, 2015

كيف انتصر العسكر؟ - مقال

كيف انتصر "العسكر"؟
عندما قامت ثورة 25 يناير كان هدفها الرئيسي هو التخلص من النظام البائد و بناء نظام جديد و ليس فقط الخلاص من شخص الرئيس حسني مبارك, و من المعروف بالضرورة أن "الجيش" أو "العسكر" كما يحب البعض أن يسميهم هو جزء لا يتجزأ من ذلك النظام البائد بل بمكن القول أن المكون العسكري كان هو الأساس في إنشاء هذا النظام منذ البداية (ثورة يوليو 1952) و مع ذلك فقد شهدت العلاقة بين الجيش و الثورة مراحل متعددة و تقلبات كثيرة خلال الثلاث سنوات الماضية و الشئ الذي أبهرني على المستوى الشخصي هو كيف استطاع "العسكر" إستعادة سيطرتهم على الدولة و الهروب من فخ الثورة التي كادت أن تنهي سيطرتهم على البلد. و في تصوري فقد استطاعوا تحقيق ذلك من خلال عدة محاور استطاعوا من خلالها التلاعب بكل قوى الثورة للحفاظ على حكمهم أو كما يدَّعون للحفاظ على مصر, و أحاول هاهنا عرض هذه المحاور و التي تبرز في الوقت ذاته اخطاء الثورة و الثوار بمختلف توجهاتهم و التي عززت من سيطرة "العسكر" على الحكم.

لازم تطلع في الصورة:
منذ بداية الثورة سعت قيادات الجيش إلى التواجد وسط المشهد الثوري و طرح أنفسهم كشريك للثورة, "طنطاوي" تجول قرب الميدان وقت الثورة بلا خوف و التقى مع مواطنين في مشهد موحي بتوجهات الجيش, المدرعات و الدبابات مكتوب عليها من قبل المتظاهرين (يسقط حسني مبارك) و هناك من يقول إنها خرجت من المعسكرات بهذه الهيئة و في الحالتين فهذه كانت إشارة قوية جدا أن الجيش دخل اللعبة بقوة, ناهيك عن البيانات التي كانت تحمل رسائل مبطنة, و لا ننسى الهتاف الشهير (الجيش و الشعب إيد واحدة) و هو الهتاف الذي جعل عيني تدمع خاصة و أنا أرى ضباط الجيش محمولين على الأعناق و يهتفون بحماسة لسقوط حسني مبارك.
إستطاع الجيش أن يجد لنفسه مكانا في الصورة, "العسكر" الذين هم جزء من النظام بل هم عماده الأول أصبحوا شركاء في الثورة, هل كان هذا تمهيدا للقضاء عليها فيما بعد؟ لا يمكنني ان أجزم و لكن ما هو واضح أمامي أنهم استطاعوا أن يجدوا لأنفسهم مكانا يجعلهم حَكَما بين الفصائل المختلفة بحيث تقبل كل تلك الفصائل أن يتولى الجيش مقاليد الأمور, و كأن ثورة لم تقم.
صدقنا الفنجري عندما قام بتحية شهداء الثورة عسكريا, و صدقنا أن الجيش هو أفضل من يتولى مقاليد الامور في الفترة الإنتقالية, سلمنا القط مفتاح الكرار كما يقال و صدقنا ان الحدأة تلقي بالكتاكيت, كيف كنا بهذه السذاجة؟ ام هم كانوا من البراعة بحيث استطاعوا أن يقنعونا بذلك؟, المهم صارت الامور في أيديهم و هذا ساعدهم في الخطوة التالية.
  
فرِّق تَسُد:
الخطوة التالية كانت التفرقة بين كل قوى الثورة و هذا كان أسهل ما يمكن أن يقوموا به, فاللعب على أطماع كل فصيل و مخاوفه كان أسهل ما يمكن, العسكر كانوا يلعبون لعبة القاضي بين كل الأطراف و يرددون دوما (نقف على مسافة واحدة من الجميع), و لكن الحقيقة لم تكن كذلك فطوال الفترة الإنتقالية  كانوا يتلاعبون بالجميع, تجدهم تارة يستعينون بالإسلاميين كساتر لهم أمام القوى المدنية و العكس صحيح و ما استفتاء مارس إلا مثال بسيط على ما حدث طوال الفترة الانتقالية من تلاعب بكافة القوى و تفريق و تشتيت الصف الثوري, كان الجميع يخطب ود "العسكر" و كانوا يستغلون ذلك, فتارة تهلل النخبة الاسلامية للعسكر و قرارته و تارة تجد النخبة المدنية ترقص طربا لقراراتهم و في المنتصف تجد الثوار (من كافة الأطياف) يرفضون تلك الألاعيب و يرفضون حكم العسكر رفضا باتا و برغم نجاح سياسة فرِّق تَسُد في إدارة المرحلة الإنتقالية إلا أن تطورات الأحداث و تصاعد العنف أدّى للخطوة التالية.

الشجرة القوية تنحني أمام العواصف:
صحيح أن "العسكر" نجحوا في تفريق الصف الثوري بسبب أطماع النخب و مخاوف كل فصيل من الآخر إلا انه تبقى تلك الفئة التي تتمرد على كل القواعد البالية للنظام البائد و التي ظلت تهتف (يسقط حكم العسكر), الفئة التي كانت سببا في قيام الثورة من الأساس و التي لا مطمع لها سوى الدفاع عن حلمها و حلم الناس, حاول "العسكر" التحكم بهم بشتى الوسائل سواء باستخدام ادواتهم كالفيس بوك, او حتى اللقاءات المباشرة و الحقيقة أنه لم يكن هناك حل مع تلك الفئة لدى "العسكر" إلا العنف الممنهج من الدولة, بدأ ذلك العنف منذ البداية, و مر بمراحل كثيرة منها إعتذار مكتوب على الفيس بوك و إدعاء بأن رصيدنا لديكم يسمح (فض إعتصام مارس2011),مرورا بعد ذلك بإبريل و يوليو وصولا إلى ماسبيرو ثم "محمد محمود" و التي كانت بالفعل علامة فارقة فقد تسببت في هبة شعبية أربكت حسابات السلطة الحاكمة و بعدما كانوا يأملون في تأجيل الانتخابات الرئاسية لأطول فترة ممكنة وجدوا أن عليهم تسريع العملية قليلا  و إلا قد يجدوا انفسهم في مواجهة غضب قد لا يستطيعون تداركه, لهذا وجدنا "طنطاوي" يخبرنا بانهم على استعداد لعمل استفتاء على بقاء الجيش في الحكم, ووجدناهم يعلنون أخيرا عن ميعاد إنتخابات الرئاسة, و هذا كان ذكاءاً منهم فأن تنحني قليلا في مواجهة العواصف حتى تمر خير من أن تقف في مواجهتها حتى تنكسر, أما تسليم السلطة فقد كان جزءا من تلك العملية فمما اتضح من أداء الرئاسة أن هناك صفقة ما لعدم التعرض إلى "طنطاوي" و رفاقه و أن هناك صفقة للخروج الآمن للمجلس العسكري مقابل تسليم الحكم بسلاسة. صحيح أن ذلك كان كافياً لحماية  "العسكر" من المحاسبة على جرائم الماضي البعيد و القريب إلا أن هذا لم يكن كافيا لعودتهم للحكم و الامساك بمقاليد الأمور و لهذا كان لابد من ترتيبات أخرى.

الثعبان يغير جلده:
يمكن القول أن وجوه المجلس العسكري القديمة صارت مكروهة بين قطاع واسع من الناس و لم يعد ممكناً بشكل كبير أن تكون هذه الوجوه متواجدة في المشهد بعد الآن, لهذا قام العسكر بعملة تغيير ضرورية للوجوه و تم ذلك بذكاء شديد, فالمشهد تم و كأن "مرسي" هو من قام بذلك التغيير و لكن الشواهد و ما حدث بعد ذلك تؤكد أن ذلك التغيير تم بإرادة و رضا تامِّين من العسكر و أن مرسي لم يكن يستطيع التغيير بهذه الطريقة إلا بموافقة و ترتيب مع قيادات الجيش أولا.
هذا التغيير كان مهما, فلم تعد تلك القيادات المكروهة موجودة و الجيش لم يعد جيش "طنطاوي" بل صار جيشا جديدا ليس له علاقة بالعملية السياسية او بما مضى من احداث الفترة الانتقالية بل إن جريدة الحرية و العدالة (لسان حال السلطة وقتها) وصفت قائد الجيش وقتها بأنه وزير دفاع بنكهة الثورة كدلالة على التغيير الذي حدث و أن الماضي صفحة و انطوت. و في الوقت الذي تتصارع فيه القوى السياسية في وضع سياسي ينذر بفوضى كارثية, صار الجيش و كأنه الامل الوحيد لهذا الشعب و الحقيقة لا أستطيع أن أنزع من رأسي فكرة أن العسكر لعبوا دورا ما في تأجيج الصراع بين القوى السياسية و لكن ليس لدي أدلة على ذلك, المهم صار لدينا جيشا جديدا و صار هو الأمل لدي كثير من الناس (الشعب) و كثير من القوى السياسية (النخبة) في الخلاص من الوضع القائم و الحقيقة إن أداء الإخوان في الحكم كان يساعد بشدة على الترويج لهذه الصورة, و لكن ترسيخ تلك الصورة بأن الجيش (الجديد) هو من يستطيع إنقاذ مصر من الفوضى لم يكن كافيا, كان المشهد لايزال يحتاج إلى شئ إضافي.

صعود نجم البطل:
كان المشهد يحتاج إلى بطل أسطوري يلتف حوله الشعب و يسلمونه مقاديرهم, القضاء على فكرة الثورة و عودة حكم الفرد هذه المرة تقتضي ذلك و "عبد الفتاح السيسي" كان هو هذا الرجل. منذ البداية و محاولات تلميع هذا الرجل واضحة سواء من السلطة (الإخوان) لكي تضمن ولاءه أو من الدولة (النظام السابق) كي تسجل نقاطا عند الشعب. كان الرجل يظهر تدريجيا في الإعلام على أنه مجدد دماء الجيش و تدريجيا بدأ يتسلل لوعي الجماهير. ستتذكر الجماهير دعوته للقوى السياسية للحوار لمحاولة فض الاشتباك و تراجعه عن الدعوة بعدما إعترضت على ذلك الرئاسة (حكمة و كياسة), ستتذكر أيضا ذلك المشهد الذي يجري فيه و خلفه مجموعة من رجال الصاعقة (شباب و قوة و حيوية) ستتذكر تفتيش الحرب الذي قام به في شهر مايو 2013 و استضاف فيه مجموعة من الفنانين و انتشرت وقتها صورهم على الدبابات (كاريزما).
 هناك صورة بدأت تتكون في الوعي الجماهيري, صورة لقائد, سيجلس الجميع ليحلل بيان الجيش و ما الذي قصده, سيحللون ملامح وجه قائد الجيش أثناء خطاب مرسي لمعرفة نواياه, سينتظرون قراره بفارغ الصبر.
هذا وحده لم يكن ليكفي للوصول لكرسي الرئاسة, لابد من الكثير من التلميع, لابد من الحديث عن التضحية التي قام بها و أنه حمل روحه على كفه فداء للمصريين, الحديث عن دوره في حماية الناس من الخطر و إنقاذ البلد من النفق المظلم, سيُذكر في الأغاني تلميحا و تصريحا, ستفاجأ بموضة غريبة اسمها بطاقة السيسي التي تباع بجنيه و نصف و لا تعرف حتى ما فائدتها و لكن الناس تشتريها بجنون, سيتم صناعة أسطورة من الرجل حتى يذهب إلى الانتخابات فلا يجرؤ أحد  على منافسته فمن سينافس البطل إلا خائن, سيحصل على أعلى الأصوات في التاريخ و ما المانع أليس هو البطل المحبوب من الجميع؟

ضرورة صناعة العدو:
كل رحلة بحث عن البطل و صناعته لابد و أن تبدأ بما يبرر وجود هذا البطل: عدو شرير. في هذه الحالة العدو كان الإخوان خاصة و الإسلاميين عامة و هؤلاء من السهل جدا وضعهم في خانة العدو المخيف, فمنذ البداية هناك تخوفات منهم لدى قطاع كبير من الجماهير كما أن أداء الإسلاميين و أفكار بعضهم ساعدت في تأجيج تلك المشاعر إلى أقصى درجة, و المتتبع لما حدث من بعد الثورة سيجد أنه كانت دائما محاولات لصناعة العدو و لكنها فشلت لتوحد أهل الثورة على تحقيق أهدافها أما عندما اختلفوا و تفرقوا فكانت صناعة العدو أسهل خصوصا و أن الإخوان و الإسلاميين عموما حاولوا إخافة خصومهم و استعراض قوتهم فأدَّى ذلك لإثارة مخاوف الجميع. صحيح أن محاولة صناعة العدو بدأت منذ الثورة و لكن قمة هذه المحاولات كانت بعد عزل الإخوان من الحكم فمن ناحية ردود أفعال الإسلاميين ساهمت في زيادة مشاعر الخوف و الهيستيريا المجتمعية و من ناحية أخرى لم يكن السيسي ليصل لكرسي الرئاسة لو لم يتواجد عدو مخيف يحتاج إلى بطل مغوار لمواجهته فالبلد تحتاج لرجل من الجيش ليقودها لمواجهة الأخطار المختلفة المحدقة بالبلاد كما يروجون. صناعة العدو تعتمد أساسا على الإعلام فهو الذي سيضغط على عقول المشاهدين ليل نهار لكي يرسخ رسالة "هذا هو العدو فخافوه", و الأمر هنا لا يتعلق فقط بالحقائق بل بتضخيمها و البناء عليها حتى لا يصبح هناك أي مجال للتفكير إلا في الخطر الشديد الذي يهددنا و العدو المخيف المتربص بنا, فليس مهما مدى خطورة العدو أو قوته بل المهم إستدعاء حالة الخطر و الخوف فهي أفضل وسيلة لشل التفكير و دفع الناس للتخلي عن حقوقها في مقابل الأمن و الأمان.


لِمْ الكراسي, مفيش ثورة:
الآن إكتمل المشهد و دانت السيطرة من جديد للعسكر, لم يعد هناك أي داعي لعمليات التجميل, ستعود القبضة القمعية بكل قوتها, سيتم تجريم المظاهرات, سيتم تكميم الأفواه و مطاردة المعارضين بل و قتلهم. كل من سيعارض سيوصم بالخيانة, كل من سيخرج عن الخط المرسوم ستتم استباحته, لتتحول حرية الرأي و حقوق المواطنين إلى رفاهية ليس هذا وقتها فنحن في حالة حرب بل إن الثورة نفسها ستتحول لمؤامرة.

لقد نجحوا و لكن نجاحهم هذا ليس فقط بفضل ذكائهم او مهاراتهم بل إن السبب الرئيسي لهذا النجاح يرجع لانتهازية و غباء  و أطماع القوى السياسية المختلفة, قوى فشلت حتى إقامة حوار مع بعضها البعض. حتى القوى الشريفة منها انشغلت في خلافاتها و صراعاتها الداخلية و مخاوفها من القوى الأخرى, كان من الممكن ألا نصل لهذه النتيجة و لكن للأسف طُعنت الثورة بيد أبنائها قبل أي أحد آخر و يبقى السؤال المُلِّح الآن هل من أمل جديد؟ هل يمكن أن ينتهي هذا الكابوس؟ ربما إذا تغيرت المعطيات و تعلمنا الدرس ووعيناه و لكن للأسف وسط كل الخلاف و الصراع يبدو هذا بعيدا الآن.