Monday, November 27, 2017

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة

ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة
سأستعير عنوان كتاب إبراهيم أصلان حول ثورة يناير "إنطباعات صغيرة حول حادث كبير" لهذا المقال الذي أعنونه "ملاحظات صغيرة حول فاجعة كبيرة" للحديث عن بعض ما لفت إنتباهي حول فاجعة مسجد الروضة التي تعد أكبر حادثة إرهابية في تاريخنا. بكل تأكيد نحن أمام تحول نوعي في العمليات الإرهابية من حيث حجم و طبيعة الأهداف، المتفائلون يحللون ذلك بأن الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة و المتشائمون يقولون إن الإرهاب يستفحل و الوضع سيزداد سوءا عن ذي قبل، كعادتي اتصور أن الحقيقة خليط من الإثنين، الوضع سيزداد سوءا لكنه قد يكون مفتاح هزيمة الإرهاب أو هكذا أظن. قد تتساءل، كيف يكون التصعيد الإرهابي وسيلة لهزيمته؟ الحقيقة إن لجوء الإرهابيين للتصعيد له تفسيران، إما إنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم و يحتاجون للتصعيد كنوع من إثبات الوجود أو العكس تماما نجحوا و يضيفون إلى مكاسبهم، شخصياً أميل للإحتمال الأول وفقا لما أفهمه من مجريات الأحداث، و هذا يعني أن الوضع مرشح ليزداد سوءا كنوع من إثبات الوجود لكن هذا التصعيد بالضبط هو مفتاح هزيمتهم في رأيي، فكل تركيز الإرهاب الحديث هو الحصول على حاضنة شعبية أو متعاطفين معه و أحداث من هذا القبيل تفقدهم التعاطف تماما لأنها تبرز عوار فكرهم لمن لا يدرك ذلك و تزيد كراهيتهم في القلوب، بالطبع هذا ظني فقط و الله وحده اعلم بما سيحدث و بما هو قادم عسى أن يكون خيراً.
النقطة الثانية التي لفتت إنتباهي هو رد الفعل الرسمي الذي كان سريعا في إعلان الحداد و إمداد الإعلام بالمعلومات و تحديثها لتجنب الشائعات، ناهيك عن ظهور الرئيس (بغض النظر عما قاله و الذي سأتطرق إليه لاحقاً) في وقت وجيز لمخاطبة الشعب حول الحادث، إذا ما قارنت رد الفعل بحادثة الواحات ستجد أن العكس تماما  كان هو الصحيح في حادثة الواحات بل إن النظام حتى لم يعلن الحداد وقتها و هذا أدى لمشاكل كثيرة أبسطها إنتشار الشائعات، أتمنى أن يكون رد الفعل الذي شاهدناه في هذه الفاجعة ناتج من التعلم من التجارب السابقة و أن يكون هذا هو شكل ردود الافعال في الحوادث المماثلة مستقبلا و ألا يكون استثناءاً، لا أملك ثقة كبيرة في النظام و لكن ما اتمناه دائما ألا يزيد الطين بلة خصوصا في حوادث مثل هذه تؤثر علينا جميعا، فالشفافية و السرعة و إتاحة المعلومات و الاهتمام بالضحايا كلها أمور مهمة عند التعامل مع كوارث مثل ما حدث و غياب كل هذا يؤدي لنشر الشائعات و انعدام الثقة بين المواطن و الحكومة، باختصار ما حدث في الواحات هو  مثال واضح على سوء إدارة الحدث و ما حدث في فاجعة الروضة مثال على حسن إدارة الحدث، و ما أتمناه ألا يكون حسن الإدارة في هذه الحادثة هو مجرد استثناء في سلسلة طويلة من ممارسات سوء الإدارة.
الملاحظات القادمة تدور حول ردود الأفعال حول الحدث، فرد فعل الناس عادة ما يكون مؤشر على أشياء كثيرة في المجتمع. من امثلة ذلك، كان هناك غضب شديد من بعض المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب استفزازها، الاستفزاز كان بسبب ما يبدو أن البعض لا يمانع في عمليات إرهابية ضد غير المسلمين أو المسلمين العصاة أو ضد الشرطة و الجيش مثلا و لكنه يرفضها بالنسبة للمسلمين المصلين فقط تكررت هذه المشاركات المستفزة في مواقع التواصل الاجتماعي بل إن بعض الشخصيات العامة و الإعلامية تورطت في كلام مشابه تماماً، هذا الغضب محمود لأنه ينتصر لحق الحياة للجميع و لكن هذا الغضب كان في كثير من الاحيان في غير موضعه، كيف؟ المشاركات التي أثارت الغضب بالفعل ساذجة و سطحية و مستفزة و لكنها لا تقصد المعنى الذي فُهم، الأمر أن البعض يظن أنه فهم الإرهابيين و فهم دوافعهم فيظن أن اهدافهم تختصر في القضاء على العصاة و الخارجين عن الدين و لا يدرك أن مفهوم العصاة و الخارجين عن الدين يمتد ليشمل كل من لا يشارك الإرهابيين أراؤهم و أفكارهم، لذلك كانت صدمتهم كبيرة عند قتل المصلين في صلاة الجمعة، كيف يستوي هذا و فهمهم عن دوافع الإرهابيين، مصلين يؤدون صلاتهم يتم إغتيالهم، لماذا ما المعصية التي ارتكبوها؟  لذلك تساءل بعضهم بتلك الطريقة المستفزة الناتجة في رأيي من صدمة ما حدث و لكن ليس معنى كلامهم أنهم يؤيدون قتل غير المسلمين بل العكس، هم فقط كانوا يفهمون شيئا و صدموا في أنه غير صحيح، الامر أشبه بحديث الجوكر لهارفي دنت في الفيلم الشهير، كيف أن الناس لا يلقون بالا لأفظع الجرائم طالما أنها متوقعة أو في الخطة (كأن يموت جندي في معركة) بينما يجن جنونهم و يصدمون عندما تكون الجرائم خارج التوقعات و الخطة المفروضة (كأن يموت طفل في نفس الحرب). بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك التساؤل و برر ما حدث بأنه مسجد صوفي رغم إنه على قدر علمي ليس به ضريح و بالتالي لا يمكن تصنيفه (في العادة المصريون لا يصنفون المساجد) و بهذا فقد قبلوا عن طيب خاطر تبريرات الإرهابيين و تصنيفهم للآخر فقط كي يستطيعوا ان يستوعبوا ما حدث، تلك التغريدات هي ردة فعل بشرية طبيعية تجاه ما حدث و تحتاج ردة فعل مختلفة عن الغضب من وجهة نظري. فبدلا من الغضب يمكن دوما التركيز على إبراز مبدأ حق الحياة للجميع و أنه لا أحد يستحق أن تستباح دماؤه و حقه في الحياة فقط لأن هناك من يعتبر الإختلاف جريمة تستحق القتل.
النقطة التي لفتت إنتباهي أيضا هي الحديث عن التقصير الأمني من عدمه، دعني أقول أنه في تلك الحادثة تحديدا حجم المعلومات الذي يمكننا منه تحديد عملية التقصير الأمني من عدمه قليلة، بداهة فإن أي حادثة إرهابية تنتج عن تقصير أو ثغرة أمنية، لكن ما يتحدث عن الناس هو التقصير الفادح بمعنى أنك كان بإمكانك منع ما حدث و لكنك بسبب الإهمال أو قلة التدريب او سوء الإدارة لم تستطع ذلك، في حادثة الواحات حتى برغم قلة المعلومات كان التقصير الأمني من هذا النوع حاضرا وواضحا، لكن هنا بالفعل هناك معلومات كثيرة ناقصة كي نتمكن من تحديد التقصير الأمني من عدمه في هذه الفاجعة، لا نعرف حتى طبيعة التعاون بين الجيش و القبائل، لكن هناك معلومة قد ترجح نظرية التقصير الأمني و الاستخباراتي و هي أن الإرهابيين في أكثر من موقف اعلنوا تربصهم بهذا المسجد تحديداً و كان أحد هذه المرات منذ فترة قريبة للغاية من الفاجعة. هذا يطرح أسئلة كثيرة، هل كان الجيش (بما إنه المسؤول عن سيناء) يعلم بهذه التهديدات؟ و إذا كان يعلم لماذا لم يتخذ إجراءات ما للحماية؟ أم إنه اتخذ إجراءات و لكن الإرهابيين تحايلوا عليها؟ و إذا لم يكن يعلم فهل هناك تقصير في جمع المعلومات؟. سمعت أيضا أن هناك كمين للجيش كان قريبا من الاحداث و لم يتحرك لإنقاذ الناس، لا أثق كثيرا في صحة المعلومة لاني لم أسمع عنها تأكيدات من شهود عيان، عموما أتصور أن قواعد الاشتباك و الاوامر التي لدى الكمائن بألا يتركوا اماكنهم مهما حدث حتى لا يتم استدراجهم، هذا ما فهمته من مواقف كثيرة سابقة. باختصار هناك إحتمال ليس ضعيفا بوجود نوع ما من التقصير لكن لا يمكن الجزم به لأن المعلومات قليلة, لذلك أتمنى ممن لديهم المعلومات ان يحددوا ذلك و يحاسبوا من قصر لو هناك تقصير أو يتداركوا الثغرة لو أن ما حدث خارج عن الإرادة، للأسف لأسباب كثيرة لا أثق أن هذا سيحدث و اتمنى أن أكون مخطئا.
و إذا كنا لا نستطيع الجزم بوجود تقصير أمني من عدمه (من وجهة نظري) فإن الملحوظة القادمة تتعلق بنظرية المؤامرة التي يروج لها الكثيرون، و هو الأمر الذي أعتبر دوما (في أي نظرية مؤامرة) أنه لا سند له من الواقع و إنما هي محاولة للربط بين أشياء متناقضة لموافقة هوى أو وجهة نظر شخص ما، في هذه الواقعة ذهب الكثيرون بسبب عدم ثقتهم المفرط في النظام و كراهيتهم  الشديدة له بأن الحادث من تدبير النظام، و ان النظام افتعل الحادثة لتهجير اهالي سيناء لتطبيق كجزء من صفقة القرن (التي لا يعرف أحد ما هي بالضبط و لكنهم يخمنون أنها عملية تبادل أراضي) و البعض الآخر يرى أنها للتشويش على فشل النظام، بعض ممن يروجون لهذه النظرية أرادوا أن يدللوا على صحة نظريتهم بأن أتوا بصورة لتدريب للقوات المسلحة (نشر علنا من قبل) به مسجد و هكذا بمنتهى العبقرية قال أنهم كانوا يتدربون على تلك العملية وقتها، دعك من سذاجة الطرح فهناك من يصدق و كل له أسبابه، لكن في رأيي نظرية المؤامرة مضَّلِلة و تعيق العقل عن الوصول للحقيقة في كثير من الأحيان، ففكرة فتش عن المستفيد هي من أكثر الأطروحات سذاجة فليس شرطا لأن فلان استفاد من حادثة ما أنه هو من فعلها، و مسألة صفقة القرن لا احد يعلم ما هي بالضبط و حتى إن كانت بالفعل تبادل أراض و تهجير لأهل سيناء لا تحتاج كل هذا التعقيد في التخطيط، لا تحتاج ان تقتل كل هذا العدد من أهم حلفائك و جنودك و ضباطك كي تنفذها، ربما أكون مخطئا و لكني غير مقتنع بهذا الطرح بتاتا، و هذه المشكلة دوما في نظرية المؤامرة ، لا دليل عليها و في نفس الوقت لا تستيع أن تفندها (أن تقنع معتنقها بخطئه) و هي مريحة للعقل في أوقات كثيرة على تضليلها.
لكن المشكلة في هذه الحالة أنها تتجاهل أبسط التفسيرات و أوضحها و أقربها للحقيقة و أشدها خطورة، و هي أن هناك إرهاب بالفعل، إرهاب متوحش لا يتورع عن إرتكاب أفظع الجرائم، إرهاب يفاخر بوحشيته و يعرضه علنا لإثارة الرعب في القلوب، ليس من مصلحة أحد تجاهل الإرهاب أو التقليل من خطره أو تمييعه أو للأسف التبرير له (و هذا يحدث لأسباب مختلفة)، و لن أتحدث عمن يتعاطف معه أو يسانده لأنه لا يوجد أمل في شخص يرى كل تلك الوحشية و يساندها، هناك معركة ممتدة في سيناء و محاولة الالتفاف عليها و الترويج لنظرية أن الإرهاب من تدبير النظام ستضرنا جميعا، بالنسبة لي و لمن يشبهني فنحن محاصرون بين نظام أراه شديد الإجرام و ملوث بالدماء و الظلم و أراه يهدم القيم و الأساسيات التي تقوم عليها الدول حسبما أفهم، و بين جماعات و افكار مدمرة لأي مجتمع و قائمة على العنف و التدمير و الخراب
و من مصلحة الجميع (و أعني جميع الاطياف) الوقوف ضد هذين القوسين اللذيْن يحاصراننا لأن في الانحياز لأحدهما هلاك للمجتمع (من وجهة نظري)، ربما يراها البعض مثالية و لكني اراها وسيلة للنجاة. لذا ختاما لتلك النقطة، هناك إرهاب و هو خطر و هو من ارتكب تلك الجريمة الشنعاء، نظريات المؤامرة لن تجدي بل ستزيد الأمر سوءاً، أو هكذا أظن.
النقطة الأخيرة هي عن تلك الفئة الفاشية اللطيفة التي ازدهرت في مجتمعنا، الفئة التي لم تجد ردا على ما حدث سوى اسحق الجميع و دمر كل شيء حتى تقضي على الإرهاب، الفئة التي خاطبها الرئيس في خطابه حول الفاجعة بأنه سيرد بالقوة "الغاشمة". و الحقيقة أنه و بصورة براجماتية بحتة (و بعيدا عن مثاليات العدالة و القانون و هذه الأشياء التي تراها تلك الفئة هراءاً و مجرد عوائق للقضاء على الإرهاب) فإن القوة "الغاشمة" لن تحقق شيئا مع مثل ذلك العدو الذي نواجهه، بل بالعكس ستزيد الأمور سوءا، تخيل أنك تفجر بيتك للقضاء على فأر، أو أنك تطلق الرصاص على أهلك للتخلص من ذبابة، هذا هو مفهومي للقوة الغاشمة، القوة لابد دائما أن تكون عاقلة وواعية بل و حكيمة إن أردت تحقيق نتيجة حقيقية، و العدالة و دولة القانون ليست مثاليات او رفاهية بل هي ضروريات لإقامة دولة قوية. القوة الغاشمة ظالمة و مدمرة و غياب القانون يهدم الدولة من جذورها، و العدالة هي السبيل الوحيد للحفاظ على تماسك المجتمعات، أعلم أن البعض لا يفهم هذا و يهلل للسحق و التدمير و الثأر و ما إلى ذلك، ولكني أطلقه كصيحة في الهواء قبل السقوط في الهاوية و لعلنا لا نسقط أو ربما سقطنا بالفعل. العجيب أن نفس تلك الفئة المنادية بسحق الجميع تطالبنا بالاصطفاف خلف القيادة في هذا الوقت الصعب و ما لا يدركونه أن مفهوم الاصطفاف مختلف بيننا و بينهم، فهم يريدون إصطفافا لا يتم فيه انتقاد النظام أو مساءلته ناهيك عن محاسبته، و ما لا يدركونه أن هذا النوع من الإصطفاف هو طريق هلاك الأمة، لأنه يعمي عن رؤية الأخطاء و بالتالي تتراكم حتى تهدم المعبد فوق الجميع، النقد و المساءلة و المحاسبة هي من آليات نهضة الدول و لكن للأسف لا يوجد الكثيرين ممن يدركون هذه الحقائق البسيطة.
انتهت الملاحظات و لكن لدي كلمة اخيرة، هناك حوادث في عمر الأمم تكون علامة فاصلة و أمر غير مسبوق، حدث تكون الأمور بعده مختلفة تماما عما قبله. هذا الحادث واحد من تلك الحوادث و علينا ان نسعى أن نتذكره دوما و ألا يتكرر مثل هذا الأمر ثانية، يجب أن يبذل الجميع جهدهم من اجل ذلك، للأسف عندما أعود بالذاكرة في السنوات التي مضت اجد أننا واجهنا العديد من تلك الحوادث التي لا يجب أن تتكرر و التي يجب محاسبة مرتكبيها، و لللأسف لم يحدث الكثير في سبيل أي من ذلك.
 و أخيرا أدعو الله أن تتوقف الدماء عن النزف في بلادنا...
رحم الله من مات و خفف عن من يعيشون هذه الأيام الصعبة...
علاء نبيل
27 -11- 2017