عن الإسلام و الرق و أشياء أخرى
كنت دوما اعتبر الرق من أشد أنواع الظلم الذي
ارتكبه الانسان ضد أخيه الانسان إن لم يكن أسوأها على الإطلاق. نعم، فبالرغم من كل
الجرائم و الحروب التي شهدتها البشرية عبر تاريخها، بالرغم من كل القتلى و كل
المظالم، تبقى العبودية و الاسترقاق أسوأها بالنسبة لي على الإطلاق. فالعبودية
تنطوي على استباحة تامة للانسان و احتقار له و إهدار لحقوقه و حريته ناهيك عن
الأطفال الذين يولدون في الرق و تهدر انسانيتهم منذ لحظة ميلادهم.
كمسلم كنت أرى أن الإسلام و بكل تأكيد ضد
الرق، هذا واضح تماما، فالإسلام ضد الظلم و بالتالي ضد الرق و يمكننا أن نرى تحجيم
الإسلام للرق من أول النصوص التي تساوي بين البيض و السود في الفضل إلى النصوص
التي تحث على العتق و جعل العتق تكفيرا عن الذنوب، كلها مؤشرات كانت واضحة بالنسبة
لي أن الإسلام ضد الرق. قد يسأل أحدهم و ماذا عن انتشار السبي و الرق في ربوع
الدول المسلمة و استمراره حتى العصور الحديثة؟، هذا سؤال منطقي، و الحقيقة أني كنت أرى تلك الممارسات في البلاد
الإسلامية في إطار سياق تاريخي معين و ليس في إطار ديني، بمعني أن الرق و السبي و
غيرها من ممارسات العبودية ليسوا واجبات دينية أو حتى مندوبات و لكنها تأتي في إطار
إجتماعي معين و الدين بما أنه أتى لرفع الظلم فإنه تدخل لتغيير ذلك الواقع
الإجتماعي بالتدريج إلى أن يتم القضاء عليه نهائيا.
هكذا كنت أرى و لكن كل شيء تغير لحظة ظهور"
داعش"....
"داعش" أتت بشر عظيم.. وحشية و
همجية جاءت من قلب كتب التاريخ، بدأنا نرى رؤوساً مقطوعة و أشلاءاً ممزقة و تلذذ
واضح بابتكار طرق جديدة للقتل و التعذيب، شيء لم يكن في خيال أي فرد و المصيبة أن
كل تلك الممارسات تمت تحت راية نصرة الإسلام و تطبيق الشريعة، كان من المقبول تماما
أن نصفهم بالخلل في النفوس و العقول لكن ما زاد الطين بلة بالنسبة لي هو إعادتهم
للسبي و الرق، هذا لم يكن أمرا معتاداً من الجماعات المتطرفة و لم يكن من مطالب
تطبيق الشريعة فلماذا أعادوا تلك الممارسة؟ و هنا يتجلى السبب واضحاً كالشمس، هما
يرونها واجبا دينيا مهدراً، يرون هذا الظلم البيِّن أمرا دينياً يجب تطبيقه و
تعميمه، أعلم انك تتسائل الآن كل هذا القتل و كل هذه البشاعة و تتوقف عند السبي و
الرق التي تعد انتهاكات خفيفة بالمقارنة بكل ما يفعلونه؟
قلت
في البداية أنني ارى الرق أشد أنواع الظلم البشري و لكن للتوضيح أنا لا أقلل من
بشاعة ما فعلوه و ما يفعلونه من جرائم و لكن هالني إفتراضهم أن الدين يأمر
باسترقاق الناس و ظلمهم برغم إيمانهم بأن الدين يسعى لرفع الظلم عن العالمين و هذا
تناقض و خلل ناهيك عن تديين الظلم بحيث لا يمكنك رفعه بعد ذلك لأنه صار جزءا من
الدين و هذه - في رأيي- كارثة لا يعلم مداها إلا الله.
كان من الممكن ان أركن لفكرة أن "داعش"
مجرد جماعة مارقة لديها خلل في مفاهيمها و أنها لا تمثل الإسلام بكل سماحته و لكن
الأمور لم تكن بهذه السهولة. فداعش صارت لها شعبية لا بأس بها وسط الإسلاميين خاصةً
و المسلمين عموماً سواء كانوا معتدلين أو متشددين، كان من المألوف ان تجد شخصا
تعرف عنه الوداعة و اللطف مؤيد لممارسات داعش لأسباب مختلفة منها السياسي و منها
الديني، كانوا (و لازالوا) يبررون لهم كل ما يفعلونه من جرائم وحشية، حتى الرق و
السبي الذي هو ظلم واضح كانوا يبررونه و يدافعون عنه، هؤلاء الأشخاص يعيشون بيننا
يخفون افكارهم حيناً و يظهرونها حيناً آخر و التعامل معهم كان صادماً بالنسبة لي.
كنت تجدهم يبررون ممارسة مثل الرق و السبي بأنها كانت تحدث أيام النبي (هل تجرؤ
على الإعتراض؟!) ثم يرددون العبارة التي صارت تستفزني عند سماعها.."ليس في
الإسلام ما نخجل منه"، جعلوا الظلم من الإسلام ثم أرغموا نفسهم على قبوله و
تبريره و عدم الخجل منه، شيء مؤسف أن يتم إغتيال النفوس بل الفطرة السليمة بتلك
الطريقة. كما قلت الرق و الاستعباد كانت ممارسة موجودة في عهد النبي بالفعل و
لكنها لم تكن واجبا دينيا، صحيح أن هناك حديث شريف ينذر العبيد الذين يفرون من
أسيادهم بعدم قبول صلاتهم (عندي مشاكل حقيقية مع ذلك الحديث) و لكن لا يمكن فهمه
أو تفسيره بأن الرق واجب ديني أو أمر من الدين على الإطلاق (أي أن الدين لا يطلب
منك بأي حال من الأحوال استرقاق الآخرين حتى لو أباحه) و كما قلنا الإسلام ساوى
بين البيض و السود و جعل العتق سبيلاً لتكفير الذنوب و لكن البعض للأسف لديه رأي
آخر و هذا الرأي ينم عن خلل و مشكلة ربما تمتد إلى الدين ذاته.
ما لا يدركه المدافعون و المبررون لتلك
الممارسات أنهم يدفعون العديد من المسلمين للتشكك في دينهم من الأساس، فإن كانوا
هم أرغموا انفسهم على قبول تلك الممارسات و قتلوا في سبيلها نفوسهم و عقولهم فإن
هناك الكثير من المسلمين من لازال لديه فطرة سليمة كي يرفض كل تلك التشوهات، و
الاصرار على ربط كل تلك الممارسات المجرِمة بالإسلام (أو الدين عموما) إنما يدفعهم
دفعا لترك الدين. في رأيي الشخصي بل في إيماني و قناعاتي لا يمكن ان يكون الدين
مرتبطا بكل تلك الجرائم، الخطأ الذي يحدث في رأيي هو خلط سياق تاريخي معين بالدين
بحيث تصبح إيجابياته و سلبياته مرتبطة بالدين و ليس بالتاريخ، أما تبرير هؤلاء
المدافعين عن داعش لتلك الجرائم و غض النظر عنها بدعوى أنها صحيح الدين فهي ببساطة
إساءة للدين قبل أي شيء آخر و أزعم ان عدداً لا بأس به من المسلمين تخلى أو يكاد
يتخلي عن الدين برمته بسبب تلك الممارسات و تلك التبريرات، بل إن تلك التبريرات
ربما تكون أشد وطأة على الإسلام من إرتكاب تلك الجرائم، فوجود قطاع عريض و شرائح
متعددة من المؤيدين لتلك الأفعال ترسخ إنطباعاً (خاطئاً أو صحيحأ وفقاً لموقعك) بأن
تلك الممارسات هي صحيح الدين، ببساطة هم كالدبة التي قتلت صاحبها، يظنون انهم
يدافعون عن الإسلام و هم مهلكوه.
أذكر في عام 2012 (و قبل ظهور داعش و
انتشارها) أن مشكلة حدثت أثناء كتابة مواد الدستور المصري الجديد الذي كان يتم
إعداده في ذلك الوقت، كان الخلاف بالطبع بين المعسكر المدني و المعسكر الديني، كان
هناك جدل (لم أفهم سببه حينها) حول مادة تجرم الرق و الاتجار بالبشر و تؤكد على
حرية الانسان، لسبب ما كان هناك رغبة لدى "بعض" الإسلاميين لعدم إدراج
تلك المادة، بل إن عضوة بالجمعية التأسيسية قالت إنها تشعر بالإهانة لأنهم يريدون
إدراج تلك المادة في عصرنا الحديث حيث لا يوجد رق، وقتها - حسب ذاكرتي - وافق المعسكر
المدني على عدم إدراج تلك المادة أو تم صياغتها بصورة مختلفة (لا أذكر بالضبط) للأسف
لأن ذلك الدستور كان يقوم على المحاصصة أي أن أُمرر لك مادة و تمرر لي أخرى و ليس
على صياغة عقد إجتماعي حقيقي كما يحتاجه الوطن، المهم أني وقتها لم أفهم ما الذي يعيب
تلك المادة و لماذا يعترضون عليها و هي فيها توضيح لحقوق انسانية متفق عليها كما
كنت ارى مفارقة عجيبة فنفس الدستور الذي لم ينص على تجريم الرق كان به مادة تقنن
العمل القسري، كنت وقتها أقول (و كنت أفترض حسن النوايا) بهذه الطريقة نكون قد
جعلنا الرق دستوريا دون أن ندري.
الآن و بعد ما فعلته "داعش" أرى
تلك الواقعة في ضوء آخر و لا أملك إلا أن أسأل، هل كانوا يرفضون تلك المادة لإرضاء
أنصارهم لأنهم يرون الرق من الدين و لا يجوز منعه، لازلت لا أستطيع أن أصدق هذا و
لا يوجد دليل على ظني، و لكنه يبدو الآن و في ضوء ما نراه تفسيراً منطقياً، و هنا
لي وقفة..
فكلامي لا يعني أن كل المسلمين أو حتى كل الإسلاميين
يؤيدون داعش او يوافقون على الرق، بالعكس هناك الكثير ممن يرفض تلك الممارسات لكن
من يوافقون عليها ليسوا قلة أيضاً و ما نشهده الآن جزء من الصراع بين
الطرفين و لا أدري حقا من سينتصر و جل ما أخشاه ان ينتصر الظلم و الطغيان و لهذا
احب ان اوجه كلامي التالي لكل مؤيدي داعش و مبرري ظلمها:
"أي
دين تؤمنون به حقاً؟..
أي
خيالات مريضة و نفوس سقيمة تصور لكم أن كل هذا القتل و الدمار و الظلم هو دين
الله..
أتؤمنون
حقا ان رسالة الله للبشرية تنطوي على سفك الدماء و استرقاق البشر..
أهذا هو
النور الذي تسعون لنشره بين ربوع الدنيا...
أهذه هي
رحمة الله للعالمين...
أين
عقولكم؟ بل أين ضمائركم؟..
أهذه هي
الفطرة؟...
أي فطرة تُنتج
كل هذا الدمار و توَّلِد كل هذه الكراهية؟!!...
ما هي
رسالتكم للعالم؟ ..
بل ما هي
رسالتكم للمسلمين أنفسهم؟...
تُحرِّمون
البهجة و تمجدون الخراب و الدمار و سفك الدماء..
ألا
تدركون أنكم و بانحيازاتكم المُنحطَّة تنفرون غير المسلمين و المسلمين انفسهم من
الإسلام؟..
أتظنون
أن الله لن يسائلكم عن كل من انصرف عن الدين بسببكم..
اتقوا
الله إن كنتم حقاً تخشونه...
الظلم
ليس ديناً، السبي ليس ديناً، القتل ليس ديناً..
لا
تلوموا الآخرين على حالكم و لوموا أنفسكم..
اسألوا
أنفسكم و تفكَّروا جيدا قبل الإجابة.. أي دين تتبعون؟"
عسى الله
أن يهدينا و إياكم سواء السبيل.
علاء نبيل
حسن
13-3 -2017